«أميركا أولاً»؟ منتجات ترامب المالية تثير تساؤلات حول تضارب المصالح الرئاسية
أثار إطلاق مجموعة جديدة من المنتجات المالية المرتبطة باسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة من الجدل في الأوساط السياسية والرقابية، وسط تساؤلات متزايدة حول احتمال تضارب المصالح بين مهامه الرئاسية ومصالحه التجارية. فقد شهدت بورصة نيويورك، صباح الخميس، أجواء احتفالية تزامنت مع إطلاق خمس صناديق استثمار متداولة (ETFs) مرتبطة بمنصة «تروث سوشيال»، التي يملكها ترامب عبر شركته الأم «ترامب ميديا آند تكنولوجي غروب».
وخلال افتتاح التداول، رُفعت شعارات تحمل كلمة «الحقيقة» في أرجاء البورصة، بينما احتشد عدد من الضيوف في شرفة مطلة على قاعة التداول احتفالاً بإطلاق الصناديق الجديدة، التي تمثل أحدث إضافة إلى سلسلة متنامية من الأنشطة التجارية المرتبطة بعلامة ترامب.
وتحوّلت «تروث سوشيال»، التي أنشئت أساساً كمنافس لمنصات التواصل الاجتماعي الكبرى، إلى مظلة تضم مشاريع متنوعة تشمل منصة بث رقمي، وشركة متخصصة في طاقة الاندماج النووي، إضافة إلى مجموعة متوسعة من الخدمات والمنتجات المالية. وتشير التوقعات إلى أن الصناديق الاستثمارية الجديدة ليست سوى بداية لحزمة أوسع من المنتجات، خصوصاً في مجال العملات الرقمية، في ظل إصرار ترامب على الترويج لفكرة جعل الولايات المتحدة «عاصمة العملات المشفّرة في العالم».
وتُسوّق الصناديق الاستثمارية الخمسة تحت شعار «أميركا أولاً»، في مواجهة مباشرة لنهج الاستثمار القائم على معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، الذي طالما انتقده ترامب وأنصاره. ويركّز كل صندوق على قطاع يعكس رؤية قومية محافظة، تشمل الشركات الأميركية، والعقارات في الولايات ذات التصويت الجمهوري، والطاقة والبنية التحتية، والدفاع والأمن، إضافة إلى التكنولوجيا والعملات الرقمية وعلى رأسها «بيتكوين».
وتُدار هذه الصناديق من قبل شركة «يوركفيل أميركا»، وهي ذراع لشركة استثمارية مقرها نيوجيرسي، سبق لها أن لعبت دوراً محورياً في تمويل «ترامب ميديا». فقد شاركت في جولة تمويل بقيمة 2.5 مليار دولار عام 2024، كما وافقت لاحقاً على توفير خط ائتمان بقيمة 5 مليارات دولار بالشراكة مع «كريبتو دوت كوم» لإنشاء خزينة رقمية جديدة.
غير أن الرهان على قوة العلامة التجارية لترامب في جذب استثمارات مستدامة لا يخلو من المخاطر. فقاعدة مستخدمي «تروث سوشيال» لا تزال محدودة مقارنة بمنصات التواصل الكبرى، كما تراجع سهم «ترامب ميديا» من ذروة تجاوزت 60 دولاراً في ذروة الحملة الانتخابية عام 2024 إلى نحو 14 دولاراً حالياً. أما العملة الرقمية التذكارية التي روّج لها ترامب، فقد هبطت قيمتها بشكل حاد بعد موجة صعود قصيرة.
وتزداد المخاوف مع تزامن توسع هذه الأنشطة التجارية مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ما دفع مراقبين وخبراء أخلاقيات حكومية إلى التحذير من تضارب محتمل في المصالح. فعلى خلاف الأعراف المتبعة، وضع ترامب أسهمه في «ترامب ميديا» ضمن صندوق قابل للإلغاء يديره نجله الأكبر، بدلاً من صندوق أعمى مستقل كما يفعل عادة الرؤساء الأميركيون.
ويرى خبراء أن غياب آليات إلزامية قوية يفتح الباب أمام استغلال النفوذ، خصوصاً إذا لجأ مستثمرون أو شركات إلى شراء منتجات مالية مرتبطة بترامب بهدف كسب رضاه السياسي. وقد تعززت هذه المخاوف بعد تحركات سياسية وتنظيمية شملت شخصيات بارزة في قطاع العملات الرقمية تربطها استثمارات مباشرة بمشاريع ترامب.
وفي هذا السياق، طالبت السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن وزارة الخزانة الأميركية بتأجيل النظر في منح ترخيص مصرفي لشركة «وورلد ليبرتي فايننشال»، الذراع الرقمية لـ«ترامب ميديا»، محذّرة من سابقة غير معهودة قد تجعل الرئيس مشرفاً على مؤسسة مالية يملكها فعلياً.
ورغم تأكيد البيت الأبيض أن الرئيس وعائلته «لم ولن ينخرطوا في أي تضارب مصالح»، فإن الجدل لا يزال مستمراً، في وقت تتقاطع فيه السياسة بالمال على نحو غير مسبوق في تاريخ الرئاسة الأميركية الحديثة.



