ماذا تعلّمت أوروبا من أزمة جرينلاند؟ | نيويورك تايمز
شكّلت أزمة غرينلاند واحدة من أكثر اللحظات كاشفة للتحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وأعادت إلى الواجهة سؤالًا وجوديًا بالنسبة لأوروبا: كيف تحمي سيادتها وحدودها في عالم تتزايد فيه نزعات القوة والابتزاز؟ فمحاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض واقع جديد على الدنمارك وغرينلاند، ولو بالتهديد الاقتصادي، لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو على الدفاع عن أحد أهم مبادئ المشروع الأوروبي، وهو حرمة الحدود والسيادة الوطنية. في مواجهة هذا التحدي، اختارت بروكسل هذه المرة طريق المواجهة المنسقة بدل سياسة الاسترضاء، لتبعث برسالة واضحة مفادها أن أوروبا، رغم انقساماتها، لا تزال قادرة على الدفاع عن خطوطها الحمراء عندما يتعلق الأمر بأسس وجودها السياسي والأمني، خصوصًا في ظل ضغوط متزامنة من روسيا وأمريكا وقوى كبرى أخرى.

السيادة خط أحمر أوروبي
تُعد السيادة وسلامة الأراضي من الركائز الأساسية التي قام عليها المشروع الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، حين قادت الإمبريالية والصراعات الحدودية إلى دمار شامل. ولهذا، فإن أي مساس بهذا المبدأ يُنظر إليه في أوروبا باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمن القارة بأكملها، وليس لدولة واحدة فقط. أزمة غرينلاند أعادت التأكيد على هذا الإرث التاريخي، إذ رأت العواصم الأوروبية أن الرضوخ لمطالب أمريكية بفرض السيطرة على أراضٍ تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو سيشكل سابقة خطيرة، قد تفتح الباب أمام مطالب مشابهة من قوى أخرى، وعلى رأسها روسيا في أوكرانيا.

عالم جديد بقواعد متآكلة
تجد أوروبا نفسها اليوم محاصَرة بين قوى كبرى تعيد تعريف مفاهيم النفوذ والسيادة. فروسيا تواصل حربها في أوكرانيا، متجاهلة الاتفاقيات الدولية التي تعترف بحدود كييف، بينما تُظهر الولايات المتحدة، الحليف التاريخي لأوروبا، استعدادًا لاستخدام أدوات اقتصادية وسياسية للضغط على شركائها. هذا الواقع يعكس تآكل النظام الدولي القائم على القواعد، ويضع أوروبا أمام معضلة الدفاع عن مبادئ لم تعد تحظى بإجماع عالمي، لكنها لا تزال تشكل جوهر الأمن الأوروبي واستقراره.

من تقييد السيادة إلى استعادتها
طوال عقود، انشغلت أوروبا بتقاسم السيادة داخل مؤسسات متعددة الأطراف، معتبرة أن التعاون هو الضمانة الحقيقية للسلام. غير أن تصاعد ضغوط “القوى العظمى” دفع القارة إلى إعادة اكتشاف أهمية السيادة الوطنية كأداة دفاع، لا كنقيض للتكامل. ويشير محللون إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يعد قادرًا على حماية النظام القائم على القواعد عالميًا، لكنه يستطيع – وربما يجب – أن يضمن بقاءه داخل حدوده، وهو ما يفسر الموقف الصلب تجاه أوكرانيا وغرينلاند على حد سواء.

سلاح الاقتصاد بدل المجاملات
أظهرت أزمة غرينلاند تحولًا واضحًا في أدوات المواجهة الأوروبية. فبعد أسابيع من الدبلوماسية الحذرة، لجأت بروكسل إلى التهديد بإجراءات اقتصادية قاسية، عبر تعليق اتفاق تجاري والاستعداد لفرض رسوم انتقامية بمليارات اليوروهات على السلع الأمريكية. هذا “السلاح الاقتصادي” لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل رسالة عملية للأسواق والإدارة الأمريكية بأن أوروبا قادرة على إلحاق كلفة حقيقية بأي مساس بسيادتها، وهو ما ساهم في تراجع واشنطن عن لهجتها التصعيدية.
درس أوكرانيا حاضر بقوة
الموقف الأوروبي من غرينلاند لا يمكن فصله عن تجربة أوكرانيا. فقد رفضت أوروبا الضغوط الأمريكية التي دعت إلى تنازلات إقليمية لصالح روسيا، وأكدت أن أي احتلال لا يمكن أن يتحول إلى واقع معترف به. كما تكفلت العواصم الأوروبية بتقديم دعم مالي وعسكري لكييف يفوق ما قدمته واشنطن في مراحل معينة، في مؤشر على استعداد أوروبا لتحمل كلفة الدفاع عن مبادئها، حتى في غياب الغطاء الأمريكي الكامل.
وحدة أوروبية في عالم مفترس
أثبتت أزمة غرينلاند أن وحدة الصف الأوروبي ليست مجرد شعار، بل أداة قوة حقيقية عندما تُفعّل بجدية. تصريحات قادة أوروبيين في دافوس عكست إدراكًا متزايدًا بأن سياسة إرضاء ترامب لم تعد مجدية، وأن الدفاع عن المبادئ يتطلب حزمًا واستعدادًا للمواجهة. وفي عالم بات أكثر شراسة، تدرك الدول الأوروبية الصغيرة قبل غيرها أن بقاء الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو مرتبط بقدرتهما على حماية سيادة أعضائهما، وعدم السماح بتغيير الحدود أو فرض الإرادات بالقوة أو الابتزاز.



