ميزة الصين: اندفاعات ترامب تدفع حلفاء واشنطن للاقتراب من بكين

في ظل حالة من الاضطراب المتزايد في السياسة الخارجية الأمريكية، بدأت دول غربية عدة تعيد حساباتها الاستراتيجية، متجهة بشكل متزايد نحو الصين بحثًا عن شريك أكثر استقرارًا. وبينما لا تزال بكين تُصنَّف في واشنطن كـ«تهديد وجودي»، فإن سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يوصف في عواصم غربية كثيرة بأنه متقلب ومزعزع، فتح الباب أمام الصين لاستغلال الفراغ وبناء علاقات أدفأ مع حلفاء تقليديين للولايات المتحدة.
دبلوماسية ناعمة من بكين ورسائل رمزية محسوبة
الصين بدت وكأنها تتبنى مقولة نابليون الشهيرة: «لا تقاطع خصمك وهو يرتكب خطأ». ففي زيارة رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن إلى بكين، اختار الرئيس الصيني شي جين بينغ مدخلًا ثقافيًا غير متوقع، حين تحدث عن رواية «الذبابة» للكاتبة الإيرلندية إيثيل فوينيتش وتأثيرها عليه في شبابه. هذه اللفتة، وإن بدت عفوية، عكست دبلوماسية صينية ناعمة تهدف إلى كسب ود قادة غربيين في لحظة تشهد فيها الثقة بالولايات المتحدة تراجعًا ملحوظًا.
تراجع الثقة في واشنطن وقلق أوروبي متصاعد
رغم ارتياح أوروبي مؤقت بعد تراجع ترامب عن تهديداته باستخدام القوة في غرينلاند، فإن الشكوك حول موثوقية واشنطن كشريك استراتيجي لم تتبدد. افتتاحيات الإعلام الصيني الرسمي استغلت هذا المزاج، داعية أوروبا إلى بناء «مجتمع مصير مشترك» مع الصين، ومحذرة من عودة العالم إلى «قانون الغاب». هذا الخطاب وجد صدى لدى بعض العواصم الأوروبية التي باتت ترى في الصين خيارًا موازنًا، ولو بحذر، في ظل سياسة أمريكية يصعب التنبؤ بها.
كندا نموذجًا لإعادة التموضع بعيدًا عن واشنطن
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قدم مثالًا واضحًا على هذا التحول، عندما زار بكين مؤخرًا معلنًا عن «شراكة استراتيجية جديدة» مع الصين. كارني، الذي وصل إلى السلطة متعهدًا بالتصدي لما وصفه بـ«التنمر الأمريكي»، خفّض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية من 100% إلى 6.1%، في خطوة كسرت الانسجام السابق مع السياسة الأمريكية. هذا القرار منح الصين مكسبًا سياسيًا واقتصاديًا، وأعاد رسم خريطة سوق السيارات الكهربائية في كندا.
حذر صيني داخلي رغم المكاسب الخارجية
ورغم هذه التطورات الإيجابية ظاهريًا، لا تُبدي بكين احتفالًا علنيًا بالفوضى التي تشهدها القيادة الأمريكية. أكاديميون صينيون بارزون يرون أن الصين استفادت تاريخيًا من النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب الباردة، ويصعب عليها الاعتراف بأن هذا النظام ينهار أو يتغير جذريًا. ومع ذلك، يتقاطع الخطاب الصيني حول «تغيرات كبرى غير مسبوقة منذ قرن» مع توصيفات غربية، مثل حديث كارني عن «القطيعة» في النظام العالمي.
بريطانيا وأوروبا بين الاقتصاد والهواجس الأمنية
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يستعد لزيارة الصين في ظل ضغوط داخلية متزايدة تطال قضايا الأمن وحقوق الإنسان. ورغم رغبته في تحسين العلاقات الاقتصادية وجذب الاستثمارات، لا تزال لندن حذرة من اعتبار بكين بديلاً استراتيجيًا عن واشنطن. في المقابل، تواجه أوروبا معضلة أوسع، إذ لا تزال المفوضية الأوروبية متحفظة تجاه الصين، بينما تعيق الحرب في أوكرانيا وتعاون بكين مع موسكو أي تقارب حقيقي وشامل بين الجانبين.
الصين الرابح الهادئ في مشهد دولي مضطرب
في النهاية، تجد قوى متوسطة عديدة نفسها مضطرة للتمسك بفكرة التعددية الدولية في عالم يتعرض لاهتزازات عنيفة، تقودها سياسات أمريكية غير مستقرة. ورغم إصرار الصين على أن سلوك ترامب «ليس مدعاة للفرح»، فإن المحصلة العملية تشير إلى تعزيز موقع بكين على الساحة العالمية. فبين تراجع الثقة بواشنطن، وحاجة الدول إلى الاستقرار، تبدو الصين المستفيد الأكبر، حتى وإن التزمت الصمت وراقبت أخطاء خصمها عن بُعد.



