بلطجية مقنّعون، نخب متعجرفة، ومواطنون مذعورون: هكذا تبدو الولايات المتحدة اليوم… وكان لهذا المشهد اسم قديم

من الخارج، تبدو الولايات المتحدة في لحظتها الراهنة كدولة فقدت قدرتها على إخفاء تناقضاتها. فبينما لا يتوقف قادتها وأنصارهم المتشددون عن إلقاء المحاضرات على العالم حول الحرية والديمقراطية، تبدو الصورة الآتية من الداخل أكثر قتامة، بل وأكثر إحراجًا لمن اعتادوا تقديم أنفسهم كمرجعية أخلاقية وسياسية.
يكفي التوقف عند يوم واحد فقط لرؤية المشهد كاملًا. في مينيابوليس، أطلق عناصر من وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية النار على ممرّض كان يحتج بشكل سلمي ولم يشكل أي تهديد، قبل أن تسارع أعلى المستويات السياسية إلى ترويج روايات ثبت كذبها لاحقًا. وفي المساء نفسه، كانت واشنطن تحتفل بعرض خاص داخل البيت الأبيض لفيلم دعائي عن زوجة الرئيس، بحضور كبار مسؤولي الإدارة ونخبة من كبار رجال الأعمال، في مشهد بدا منفصلًا تمامًا عن الدم الذي لم يجف بعد في الشوارع.
من منظور دولي، يصعب فهم هذا التعايش الصارخ بين العنف الرسمي والترف السياسي. دولة تطلق النار على مواطن أعزل في وضح النهار، ثم تقيم مساءً حفلة شمبانيا فاخرة داخل القصر الرئاسي، تبدو – وفق المعايير التي لطالما روّجت لها بنفسها – أقرب إلى نموذج الدول التي اعتادت السخرية منها.
وفي تطور لا يقل دلالة، سارعت السلطات لاحقًا إلى سحب قائد بارز في دوريات الحدود من المشهد، في خطوة بدت أقرب إلى تقديم “كبش فداء” لامتصاص الغضب، بينما ظل صانعو القرار الحقيقيون بعيدين عن أي مساءلة. هذا النمط مألوف في الأنظمة التي تدار من أعلى، حيث تُضحّى بالأدوات بينما يبقى المهندسون في مأمن.
أما المشهد الأكثر إثارة للقلق، فهو التحول البصري والسياسي في الشارع الأمريكي: عناصر أمن اتحاديون مقنّعون، بملابس مدنية، يتصرفون كقوات اقتحام، في مقابل مدنيين باتوا يظهرون في الاحتجاجات بملابس أشبه بالعسكرية. اختلاط الأدوار هذا يبعث برسالة خطيرة عن تآكل الخط الفاصل بين الدولة والمليشيا، وبين السلطة والمجتمع.
وعلى الصعيد الدولي، لم يعد هذا التوتر الداخلي بلا ثمن. تراجع السياحة إلى الولايات المتحدة من دول كانت تقليديًا من أكثر الزائرين حماسة، ليس لغزًا يصعب تفسيره. صورة بلد تغرق شاشاته في مشاهد إطلاق النار والقمع، لا تشجع كثيرين على حجز تذكرة طيران.
الأكثر سخرية أن هذا كله يتزامن مع خطابات هجومية من الرئيس الأمريكي ضد حلفاء تاريخيين، لا سيما في أوروبا، متجاهلًا حقيقة أن حلف “الناتو” لم يفعل بند الدفاع المشترك في تاريخه إلا مرة واحدة، وكانت بطلب أمريكي عقب هجمات 11 سبتمبر، حين قاتلت قوات أوروبية وماتت في حروب قادتها واشنطن.
وفي خضم الجدل حول إطلاق النار، جاء موقف “الرابطة الوطنية للبنادق” صادمًا حتى لمؤيدي السلطة؛ إذ دافعت عن حق القتيل الدستوري في حمل سلاح مرخّص، وطالبت بتحقيق كامل. عند هذه النقطة، بدا المشهد وكأن التيار الشعبوي الحاكم بات أكثر تطرفًا حتى من أكثر لوبيات السلاح تشددًا، في مفارقة سياسية يصعب تصديقها.
وفي الجانب الآخر من الصورة، حضرت النخبة الاقتصادية بقوة. شركات عملاقة ورجال أعمال نافذون لم يجدوا حرجًا في الظهور داخل البيت الأبيض للاحتفال بفيلم موّلته إحدى أكبر منصات التجارة العالمية بمبلغ فلكي، في صفقة بدت أقرب إلى “هدية سياسية” منها إلى استثمار فني. هكذا تعمل شبكات المصالح في الأنظمة التي تتقاطع فيها السياسة مع المال بلا مواربة.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن في تصرفات الأوليغارشية، بل في آلاف الأصوات العادية التي هرعت للدفاع عن إطلاق النار، مبررة قتل مدني أعزل لمجرد أنه كان يحمل سلاحًا مرخصًا ولم يستخدمه. تبرير العنف بهذه السهولة ليس علامة قوة، بل مؤشر على ثقافة سياسية منهكة، فقدت بوصلتها الأخلاقية.
قد لا يرى أنصار هذا النهج الصورة كاملة، لكن العالم يراها بوضوح متزايد: دولة تتحدث كثيرًا عن الحرية، بينما تتصرف، على الأرض، بعكس كل ما بشّرت به يومًا.
اقراء أيضاً:
تقارير استخباراتية: تراجع قبضة النظام الإيراني وترامب يلوّح بالخيار العسكري



