بلومبرج: تعثّر اللحظة الصينية في الشرق الأوسط مع تراجع دور بكين السياسي والأمني

قبل ثلاث سنوات فقط، بدت الصين وكأنها تشق طريقها بثبات لتصبح لاعبًا سياسيًا محوريًا في الشرق الأوسط، مستفيدة من تراجع الثقة الإقليمية في الولايات المتحدة ومن توسعها الاقتصادي الهائل. الاتفاق التاريخي بين السعودية وإيران في بكين عام 2023 عزز هذا الانطباع، واعتُبر حينها إعلانًا غير مباشر عن تحوّل في ميزان النفوذ الإقليمي. غير أن التطورات المتسارعة منذ ذلك الحين، وعلى رأسها حرب غزة، والتصعيد ضد إيران، والاضطرابات الداخلية في طهران، كشفت حدود الدور الصيني. فبكين، رغم قوتها الاقتصادية، بدت مترددة في تحمل أعباء سياسية وأمنية طويلة الأمد، ما أدى إلى تراجع زخم صعودها الإقليمي وعودة واشنطن إلى واجهة المشهد.
من اختراق دبلوماسي إلى حضور باهت
الاتفاق السعودي-الإيراني الذي وُقع في بكين شكّل ذروة الحضور الصيني في الشرق الأوسط، وأثار قلقًا واسعًا في واشنطن من فقدان نفوذ استمر لعقود. غير أن هذا الاختراق لم يتحول إلى مسار دائم، إذ غابت الصين لاحقًا عن الملفات الكبرى التي أعادت تشكيل المنطقة. ومع اندلاع حرب غزة واتساع رقعة التوتر، لم تظهر بكين كوسيط فاعل أو كقوة قادرة على إدارة الأزمات، ما أعادها إلى هامش المشهد السياسي الإقليمي.
جذور النفوذ الصيني: النفط أولًا
بدأ اهتمام الصين بالشرق الأوسط بدافع استراتيجي واضح يتمثل في الطاقة، فمنذ تحوّلها إلى مستورد صافٍ للنفط في التسعينيات، أصبحت دول الخليج شريانًا حيويًا لنموها الاقتصادي. وعلى مدى عقود، بنت بكين علاقاتها بهدوء، مبتعدة عن انتقاد السياسات الداخلية وحقوق الإنسان، ما أكسبها قبولًا رسميًا وشعبيًا. هذا الأساس النفطي مهّد لاحقًا لتوسع تجاري واستثماري أوسع، لكنه ظل محدود التأثير سياسيًا.
الاقتصاد يتقدم… والسياسة تتأخر
توسعت العلاقات الصينية-العربية لتشمل التكنولوجيا، والبنية التحتية، والطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية، وارتفعت التجارة الثنائية إلى مئات المليارات من الدولارات. كما عززت مبادرة “الحزام والطريق” الحضور الصيني في الموانئ والطرق والاتصالات. ومع ذلك، بقي هذا النفوذ اقتصاديًا في جوهره، إذ لم تُترجم الاستثمارات إلى قدرة على فرض أجندة سياسية أو لعب دور أمني يُضاهي الحضور الأميركي التقليدي.
اختبارات الأمن تكشف حدود بكين
الأحداث الأمنية الكبرى، من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر إلى الضربات الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، شكّلت اختبارًا حقيقيًا للدور الصيني. ففي حين قادت واشنطن تحالفات عسكرية وتحركات دبلوماسية مكثفة، اكتفت بكين ببيانات سياسية عامة وحماية مصالحها المباشرة. حتى في إيران، الشريك الاستراتيجي الأهم للصين إقليميًا، بدت بكين عاجزة عن التأثير في مسار الأحداث أو تقديم دعم يتجاوز الخطاب الدبلوماسي.
عودة الثقل الأميركي وتبدل المزاج الإقليمي
تحت إدارة دونالد ترامب، عززت الولايات المتحدة حضورها السياسي في الشرق الأوسط، متبنية نهجًا براغماتيًا يركز على الصفقات والنتائج بدل الخطاب القيمي. هذا التحول لاقى ترحيبًا في عواصم خليجية عدة، وأسهم في استعادة واشنطن لدورها كضامن أمني رئيسي. في المقابل، تراجعت الثقة في قدرة الصين على لعب دور مشابه، خصوصًا مع انشغالها بتحديات داخلية وملفات أكثر إلحاحًا في آسيا.
نفوذ اقتصادي مستمر بلا مظلة استراتيجية
رغم التراجع السياسي، لا تزال الصين لاعبًا اقتصاديًا رئيسيًا في الشرق الأوسط، حيث تجاوزت تجارتها مع دول الخليج تجارة هذه الدول مع الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعة. الشركات الصينية تواصل التوسع في الطاقة المتجددة، والبنوك، والنقل، فيما تُعد المنطقة بوابة استراتيجية لأسواق أوسع في أفريقيا والعالم الإسلامي. ومع ذلك، يرى مراقبون أن غياب الإرادة الصينية لتحمل أعباء الأمن والاستقرار الإقليمي سيبقي هذا النفوذ ناقصًا، ويجعل بكين شريكًا اقتصاديًا مهمًا دون أن تكون قوة ضامنة أو وسيطًا حاسمًا.



