“ذا تايمز” البريطانية | هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها دون المظلة الأميركية؟
في لحظة سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، عاد سؤال قديم ليطفو بقوة على السطح: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها إذا انسحبت الولايات المتحدة أو خففت التزامها الأمني؟
السؤال لم يعد افتراضيًا أو نظريًا، بل بات مطروحًا بجدية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بعد تصريحات صادمة للأمين العام للحلف، مارك روته، أكد فيها أن أوروبا “تحلم” إذا اعتقدت أنها قادرة على حماية نفسها دون واشنطن. هذه التصريحات فجّرت جدلًا واسعًا بين القادة الأوروبيين، بين من يراها واقعية قاسية، ومن يعتبرها استسلامًا مبكرًا. التقرير التالي يستعرض، بعمق، ما تملكه أوروبا عسكريًا، وما ينقصها فعليًا، وما الذي قد يحدث إذا غابت أميركا عن معادلة الردع.

تصريحات فجّرت الجدل داخل أوروبا
خلال جلسة استماع في البرلمان الأوروبي، تخلى مارك روته عن لهجته الدبلوماسية المعتادة، مؤكدًا أن أوروبا غير قادرة على الدفاع عن نفسها دون الدعم الأميركي. تصريح أثار غضب فرنسا وإسبانيا، بينما اعتبره مسؤولون أوروبيون آخرون تعبيرًا عن “عقلية استسلامية”. لكن داخل الأوساط العسكرية، لم يُنظر إلى كلام روته كزلة لسان، بل كتحذير صريح من فجوة أمنية حقيقية قد تنكشف سريعًا إذا غيّرت واشنطن أولوياتها الاستراتيجية.

واشنطن تلمّح… وأوروبا تقلق
وزارة الدفاع الأميركية أوحت في أكثر من مناسبة برغبتها في أن تتحمل أوروبا مسؤولية أمنها في وقت قريب، ربما اعتبارًا من العام المقبل. السيناريوهات المطروحة تتراوح بين تقليص تدريجي للوجود الأميركي مع الإبقاء على المظلة النووية، وصولًا إلى شراكة محدودة تقتصر على بيع السلاح. هذا الغموض دفع عواصم أوروبية إلى إعداد خطط سرية للحفاظ على تماسك الناتو في حال انسحاب أميركي فعلي أو حتى عرقلة متعمدة.

أرقام ضخمة… لكنها مضللة
على الورق، تبدو أوروبا قوية: عدد الجنود يفوق روسيا، والإنفاق الدفاعي أعلى اسميًا، والأساطيل والسفن أكثر عددًا. لكن هذه الأرقام تخفي حقيقة أساسية: القوة الأوروبية شديدة التشتت. فبينما تعتمد الولايات المتحدة على عدد محدود من أنظمة السلاح الموحدة، تمتلك أوروبا عشرات النسخ المختلفة من الدبابات والطائرات والمركبات، ما يخلق كابوسًا لوجستيًا في الصيانة والذخيرة والتشغيل المشترك.

أزمة التوحيد العسكري
يؤكد خبراء عسكريون أن المشكلة ليست في امتلاك السلاح، بل في “الصمغ” الذي يربط هذه القدرات ببعضها. اختلاف الذخائر، أنظمة الوقود، وقطع الغيار بين الجيوش الأوروبية يجعل أي حرب واسعة النطاق عملية شديدة التعقيد. حتى أنظمة السلاح المتشابهة، مثل المدافع الألمانية المستخدمة في أكثر من دولة، تعتمد أحيانًا على ذخائر مختلفة، ما يقوّض الجاهزية في أوقات الطوارئ.

نقص خطير في الأساسيات
تعاني الجيوش الأوروبية من نقص حاد في الذخيرة، الصواريخ بعيدة المدى، أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة. بعض المعدات المتقدمة الموجودة على الورق غير صالحة عمليًا بسبب ضعف الصيانة أو نقص قطع الغيار. حادثة كادت فيها فرقاطة ألمانية إسقاط طائرة أميركية مسيّرة بالخطأ في البحر الأحمر، كشفت هشاشة التنسيق والجاهزية التقنية.

القتال دون عيون: معضلة الفضاء
أخطر نقاط الضعف الأوروبية تكمن في الاعتماد شبه الكامل على الأقمار الصناعية الأميركية. أكثر من 80% من معلومات الاستطلاع داخل الناتو مصدرها الولايات المتحدة. من دون هذه القدرات، ستقاتل أوروبا “وهي معصوبة العينين”، ما قد يفرض تغييرًا جذريًا في العقيدة العسكرية الأوروبية، ويحد من القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة في عمق أراضي الخصوم.

السماء غير محمية بما يكفي
رغم امتلاك أوروبا أنظمة دفاع جوي متطورة مثل “باتريوت”، فإن شبكة القيادة والسيطرة لا تزال أميركية في جوهرها. تقديرات داخل الناتو تشير إلى أن أوروبا لا تملك سوى 5% من منظومات الدفاع الجوي اللازمة لحماية جناحها الشرقي. الاختراقات الروسية المتكررة للأجواء البولندية كشفت حجم الثغرات، ودفع دولًا مثل بولندا ودول البلطيق للتفكير في “جدار مسيّرات” دفاعي جديد.

المعضلة النووية المسكوت عنها
القضية الأكثر حساسية هي الردع النووي. انسحاب المظلة الأميركية سيترك أوروبا مع ترسانتين فقط: بريطانيا وفرنسا، وهما مصممتان للردع الأدنى وليس لمواجهة ترسانة روسية ضخمة. الأسلحة النووية الأميركية المنتشرة في أوروبا تمنح مرونة ردع لا يمكن تعويضها بسهولة. أي بديل أوروبي موحّد يصطدم بعقبات سياسية وقيادية شبه مستحيلة.

من يقود أوروبا إذا غابت أميركا؟
أزمة القيادة قد تكون الخطر الأكبر. لا دولة أوروبية قادرة منفردة على لعب دور القائد العسكري والسياسي. ألمانيا مترددة، فرنسا مثيرة للشكوك، بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي، وبولندا صاعدة لكن سياساتها متقلبة. هذا الفراغ قد يدفع إلى تحالفات إقليمية أصغر وأكثر صلابة، مثل تحالف دول البلطيق أو القوة الاستطلاعية المشتركة بقيادة بريطانيا، مع تركيز صارم على ردع أي تحرك روسي بري.
إقرأ ايضَا: فايننشال تايمز: المكسيك في مرمى ترامب مع تصاعد الشبهات حول صلات المخدرات بفنزويلا



