«بيع المستقبل بالدولار».. قصة منصة تراهن على السياسة والاقتصاد وتثير جدلًا عالميًا
يواصل رائد الأعمال اللبناني-الأمريكي تاريك منصور، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمنصة “كالشي”، الدفع بفكرة أسواق التنبؤ باعتبارها أداة مالية وإعلامية قد تعيد تشكيل طريقة فهم البشر للمستقبل. وبينما تعتمد هذه الأسواق على تداول احتمالات وقوع أحداث سياسية أو اقتصادية أو حتى ثقافية، يرى منصور أن هذه المنصات يمكن أن تصبح وسيلة علمية لقياس “حكمة الجماهير”، رغم الانتقادات القانونية والاقتصادية التي تواجهها. ويأتي صعود “كالشي” في وقت يشهد العالم تحولات كبيرة في طرق تداول المعلومات وصناعة القرار، وسط جدل متزايد حول العلاقة بين الأسواق والتوقعات السياسية.
أسواق التنبؤ.. فكرة تحويل المستقبل إلى أصل مالي
تعتمد فكرة أسواق التنبؤ على تداول عقود مرتبطة بأحداث مستقبلية، حيث يحصل المستثمر على دولار واحد إذا وقع الحدث، وصفر إذا لم يحدث، ما يجعل سعر العقد يعكس احتمال وقوع الحدث. ويرى منصور أن هذه الآلية تمثل وسيلة أكثر دقة من الاستطلاعات التقليدية لقياس الرأي العام، لأنها تربط التوقعات بحوافز مالية مباشرة. ويؤكد أن المنصة لا تهدف إلى تقديم حقائق مطلقة، بل إلى توفير تقديرات احتمالية تساعد الأفراد وصناع القرار على فهم الاتجاهات المستقبلية بشكل أكثر موضوعية.
رحلة تأسيس «كالشي» وصعودها إلى قمة السوق الأمريكية
أسس منصور شركته بالتعاون مع لوانا لوبيس لارا، بعد أن التقيا خلال دراستهما في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث عملا لاحقًا في مؤسسات مالية كبرى قبل إطلاق المشروع. وقد وصلت قيمة “كالشي” السوقية إلى نحو 11 مليار دولار بدعم من استثمارات رأس المال المخاطر، ما جعل مؤسسيها من بين أبرز رواد التكنولوجيا المالية. ويقول منصور إن فكرة المنصة جاءت من تساؤله عن سبب اقتصار تداول التوقعات السياسية والاقتصادية على المؤسسات المالية الكبرى، مؤكدًا أن هدفه كان إتاحة هذه الأدوات للجمهور الأوسع.
معركة قانونية تاريخية فتحت الباب أمام الأسواق التنبؤية
واجهت “كالشي” تحديات قانونية كبيرة في الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بتصنيف أسواق التنبؤ كنوع من المقامرة. إلا أن الشركة حققت انتصارًا قضائيًا مهمًا بعد أن قضت محكمة فدرالية بأن التداول على نتائج الانتخابات لا يُعد “لعبة”، ما سمح للمنصة بالعمل ضمن إطار تنظيمي رسمي. ونجحت المنصة في جذب تداولات ضخمة خلال الانتخابات الأمريكية الأخيرة، حيث تجاوز حجم التداول مئات الملايين من الدولارات، بينما انضم دونالد ترامب الابن كمستشار للشركة، ما عزز حضورها السياسي والإعلامي.
اتهامات بالمقامرة ومخاوف من التأثير على الرأي العام
رغم النجاحات، تواجه “كالشي” انتقادات من حكومات بعض الولايات الأمريكية وجماعات قبلية، التي ترى أن المنصة تمارس نشاطًا يشبه المراهنات الرياضية غير القانونية. كما يحذر منتقدون من احتمال استخدام هذه الأسواق للتلاعب بالرأي العام أو استغلال المعلومات الداخلية لتحقيق أرباح. ويقر منصور بوجود مخاطر محتملة، لكنه يؤكد أن المنصة تعتمد على الشفافية والتنظيم الفيدرالي، مشيرًا إلى أن الابتكارات التقنية غالبًا ما تواجه مقاومة من القطاعات التقليدية التي قد تتضرر من ظهور نماذج اقتصادية جديدة.
بين الإعلام والأسواق.. رؤية لمنظومة معلومات جديدة
يرى منصور أن أسواق التنبؤ يمكن أن تكمل دور الصحافة التقليدية بدلًا من استبدالها، من خلال تقديم مؤشرات كمية حول الأحداث المستقبلية. ويعتقد أن هذه الأسواق قد تساعد في تقليل الاستقطاب السياسي عبر تقديم احتمالات رقمية بدلًا من الانقسامات الحادة في الآراء. ومع ذلك، يشير محللون إلى أن هذه الأسواق لا تزال تعتمد بشكل كبير على المراهنات الرياضية لتحقيق إيراداتها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على التحول إلى منصة شاملة لتوقع الأحداث العالمية.
رؤية مستقبلية لتسليع كل أشكال التوقعات
يطمح منصور إلى توسيع نطاق الأسواق التنبؤية لتشمل قضايا مثل تغير المناخ والسياسة العالمية وحتى الاتجاهات الثقافية، معتبرًا أن تحويل الاختلافات في الرأي إلى أصول قابلة للتداول قد يساعد في تحسين جودة النقاش العام. ورغم أن هذا الطموح يثير مخاوف أخلاقية واقتصادية، فإنه يعكس توجهًا متناميًا نحو دمج البيانات المالية مع التحليل الاجتماعي والسياسي، ما قد يعيد تشكيل العلاقة بين الأسواق والمعلومات في المستقبل.



