فايننشال تايمز: سردية النصر الروسية تحت المجهر.. هل يسبق الإعلام نتائج المعركة في أوكرانيا؟
تشهد الحرب الروسية الأوكرانية صراعًا لا يقتصر على ساحات القتال فقط، بل يمتد إلى معركة موازية تدور في الفضاء الإعلامي والسياسي العالمي، حيث يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى ترسيخ صورة انتصار حتمي لبلاده، سواء عسكريًا أو جيوسياسيًا. فبحسب الخطاب الرسمي للكرملين، تمكنت موسكو من تجاوز العقوبات الغربية والحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، بينما يواصل الجيش الروسي تقدمه في شرق أوكرانيا، في محاولة للسيطرة الكاملة على إقليم دونباس. غير أن هذه الرواية الروسية تلقى دعمًا ضمنيًا من بعض التصريحات الغربية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول تأثير الحرب السردية على موازين الصراع ومستقبل التحالفات الدولية. ورغم ما يبدو من قوة في السردية الروسية، تشير مؤشرات عدة إلى هشاشتها داخليًا وخارجيًا، في ظل تحديات اقتصادية وعسكرية وسياسية متزايدة.

السردية الروسية للنصر.. استراتيجية سياسية وعسكرية متكاملة
يروج بوتين لرواية مفادها أن روسيا تقترب من تحقيق انتصار استراتيجي في أوكرانيا، مستندًا إلى تقدم قواته في دونباس وقدرة مصانع السلاح الروسية على إنتاج الذخائر بمعدلات تفوق حلف شمال الأطلسي. كما يقدم الصراع باعتباره مواجهة وجودية مع الناتو الذي يصوره كتهديد عسكري وحضاري لروسيا. ولا يقتصر هذا الطرح على الداخل الروسي، بل يمتد إلى الساحة الدولية، حيث تُستخدم هذه الرواية كأداة ضغط تفاوضية لإجبار أوكرانيا وحلفائها على تقديم تنازلات، أو تحميلهم مسؤولية أي فشل محتمل في المفاوضات. ويؤكد هذا النهج أن الحرب لم تعد مجرد صراع ميداني، بل أصبحت معركة للسيطرة على التصورات العالمية حول ميزان القوى ومستقبل النظام الدولي.

الدعم الخطابي الغربي وتأثيره على معادلة الصراع
تعزز بعض التصريحات الغربية، خاصة من شخصيات سياسية أمريكية، السردية الروسية بصورة غير مباشرة. فالتوقعات التي تشير إلى إمكانية سيطرة روسيا على دونباس، أو الإشادات بالقوة العسكرية الروسية، تمنح موسكو زخماً دعائيًا مهمًا. كما أن ربط المساعدات الأمنية لأوكرانيا بإمكانية التنازل عن أراضٍ يعزز موقف روسيا التفاوضي. ويبرز هذا المشهد أن معركة الروايات أصبحت عنصرًا حاسمًا في إدارة الصراعات الحديثة، حيث لم يعد الانتصار العسكري وحده كافيًا، بل يتطلب القدرة على فرض رواية سياسية مقنعة عالميًا.

التحديات الميدانية تكشف حدود القوة الروسية
رغم محاولات موسكو تصوير تقدمها العسكري كدليل على قرب الحسم، تكشف الوقائع الميدانية عن صورة أكثر تعقيدًا. فقد شهدت بعض المناطق المتنازع عليها تناقضات في الروايات الروسية، خاصة بعد إعلان السيطرة على مدن تبين لاحقًا استمرار الوجود الأوكراني فيها. كما لم تنجح الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية في دفع الشارع الأوكراني إلى الاحتجاج أو المطالبة بإنهاء الحرب، بل أظهرت استطلاعات الرأي تصاعد الدعم لاستمرار القتال. وتشير هذه المعطيات إلى أن الحرب قد تطول، وأن الحسم العسكري الكامل ما زال بعيدًا عن التحقيق.

الضغوط الداخلية على الكرملين.. استقرار هش قائم على الاقتصاد والحشد العسكري
يعتمد بوتين داخليًا على رواية أنه القائد القادر على ضمان الاستقرار بعد فوضى تسعينيات القرن الماضي، إلا أن استمرار الحرب فرض تحديات متزايدة على الاقتصاد الروسي والمجتمع. فقد اعتمدت موسكو على مزيج من عائدات الطاقة والاستثمارات العسكرية لتمويل الحرب، مع تقديم حوافز مالية ضخمة لتجنيد الجنود، خصوصًا من الطبقات الفقيرة والمناطق النائية. لكن ارتفاع العجز المالي والتضخم، إلى جانب صعوبات التجنيد، يكشف عن مؤشرات ضغط متزايدة قد تدفع روسيا نحو تعبئة أوسع، وهو ما قد يشكل تهديدًا للاستقرار الداخلي الذي يسعى الكرملين للحفاظ عليه.

البيئة الدولية المتغيرة.. فرص وتحديات أمام الديمقراطيات الغربية
على المستوى الدولي، لم تحقق روسيا نجاحات استراتيجية كاملة، حيث واجهت تراجعًا لنفوذها في بعض الدول الحليفة، كما تعرضت محاولاتها للتأثير السياسي في أوروبا لمقاومة قوية في عدة دول. في المقابل، تسعى الدول الديمقراطية إلى إعادة صياغة تحالفاتها لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، عبر بناء منظومة تعاون أوسع تضم أوروبا وأوكرانيا وحلفاء آخرين. ويعتمد نجاح هذا التوجه على قدرة هذه الدول على الجمع بين القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية لخلق رواية مضادة تؤكد قدرتها على مواجهة ما تصفه بالدول ذات النزعة الإمبراطورية الجديدة.
مستقبل الحرب.. صراع مفتوح بين القوة والسردية
تكشف الحرب الروسية الأوكرانية أن الصراعات الحديثة لم تعد تحسم بالأسلحة وحدها، بل تتطلب أيضًا القدرة على تشكيل الوعي العالمي وتوجيهه. وبينما يسعى بوتين لترسيخ سردية النصر الحتمي، تعمل أوكرانيا وحلفاؤها على تفكيك هذه الرواية عبر كشف نقاط الضعف الروسية وبناء نموذج تحالفي جديد قائم على التعاون بين الديمقراطيات المتوسطة القوة. وفي ظل استمرار الحرب، يبدو أن معركة الروايات ستظل عنصرًا حاسمًا في تحديد مستقبل الصراع والنظام الدولي.



