تراجع مطاعم الوجبات السريعة يكشف انقسام الاقتصاد الأمريكي بين الأغنياء وذوي الدخل المحدود

تشهد صناعة الوجبات السريعة في الولايات المتحدة تراجعًا ملحوظًا يعكس تحولات أعمق في بنية الاقتصاد الأمريكي وسلوك المستهلكين. فبعد عقود طويلة شكلت خلالها هذه المطاعم نموذجًا للوجبات السريعة منخفضة التكلفة والمناسبة للطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، أصبحت اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة ارتفاع أسعار العمالة والمواد الغذائية والطاقة، ما دفع الشركات إلى رفع الأسعار. ونتيجة لذلك، بدأ المستهلكون، خاصة أصحاب الدخول المحدودة، في تقليص زياراتهم لهذه المطاعم أو استبدالها ببدائل أخرى، الأمر الذي كشف عن اتساع الفجوة الاقتصادية داخل المجتمع الأمريكي، حيث يستمر الإنفاق لدى الشرائح الأكثر ثراءً، بينما تتراجع القدرة الشرائية للفئات الأقل دخلاً.
ارتفاع الأسعار يغير سلوك المستهلكين ويقلص الطلب
بدأت شريحة واسعة من الأمريكيين في إعادة تقييم عاداتهم الغذائية نتيجة الارتفاع المستمر في تكلفة المعيشة. وأظهرت بيانات سوقية أن نحو 9% فقط من مطاعم الخدمة السريعة سجلت نموًا في عدد الزيارات السنوية، مقارنة بنسبة 27% لقطاع المطاعم بشكل عام، ما يشير إلى تراجع واضح في الإقبال على الوجبات السريعة. ويرى محللون أن ارتفاع أسعار الوجبات، التي صُممت أساسًا لتكون خيارًا اقتصاديًا، أدى إلى ما يُعرف بصدمة الأسعار لدى المستهلكين، خاصة مع ارتفاع تكلفة تناول الطعام خارج المنزل بنسبة تفوق بكثير زيادة أسعار الطعام المنزلي خلال السنوات الأخيرة. هذا التحول دفع العديد من العملاء إلى الاعتماد أكثر على الطهي المنزلي أو تقليل الإنفاق على الوجبات السريعة.
شركات كبرى تواجه تراجعًا في المبيعات وإغلاق فروع
وفتُعد سلسلة “وينديز” واحدة من أبرز الشركات المتضررة من هذا التراجع، حيث شهدت انخفاضًا حادًا في قيمة أسهمها وتراجعًا في الإيرادات لعدة فصول متتالية، ما دفعها إلى إغلاق مئات الفروع ضمن خطة لإعادة الهيكلة. كما سجلت سلسلة “بيتزا هت” تراجعًا مستمرًا في المبيعات داخل الولايات المتحدة، ما دفع الشركة المالكة إلى دراسة بيع العلامة التجارية وإغلاق عدد كبير من المطاعم. ويؤكد محللون أن قطاع المطاعم السريعة بأكمله يواجه ضغوطًا تشغيلية غير مسبوقة نتيجة تضخم التكاليف وتراجع الطلب الاستهلاكي.
انقسام اقتصادي واضح بين الطبقات الاجتماعية
تعكس أزمة مطاعم الوجبات السريعة تحولًا في طبيعة الاقتصاد الأمريكي، حيث تستمر المطاعم الفاخرة في تحقيق نمو قوي مدعوم بإنفاق أصحاب الدخول المرتفعة، بينما تعاني الشركات التي تعتمد على العملاء محدودي الدخل من تراجع واضح في الإيرادات. ويرى اقتصاديون أن هذا الانقسام يعكس تفاوتًا متزايدًا في القدرة الشرائية بين فئات المجتمع، حيث تستفيد بعض القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة والأسواق المالية من ازدهار اقتصادي، في حين تواجه القطاعات المرتبطة بالمستهلكين ذوي الدخل المحدود تحديات كبيرة.
نقص العمالة وارتفاع تكاليف التشغيل يضغطان على القطاع
تواجه شركات الوجبات السريعة تحديات إضافية نتيجة نقص العمالة وارتفاع الأجور، خاصة بعد تشديد سياسات الهجرة في الولايات المتحدة وزيادة الحد الأدنى للأجور في بعض الولايات. ويُعد قطاع المطاعم السريعة من أكبر القطاعات التي تعتمد على العمالة منخفضة الأجور، ما يجعل أي زيادة في الرواتب تمثل عبئًا كبيرًا على تكاليف التشغيل. كما ارتفعت أسعار اللحوم بشكل قياسي بسبب الجفاف وتراجع أعداد الماشية، وهو ما زاد الضغوط على الشركات التي تعتمد بشكل أساسي على منتجات اللحوم في قوائمها.
محاولات لاستعادة العملاء وسط مخاوف من استمرار التراجع
تحاول الشركات الكبرى استعادة العملاء عبر إطلاق عروض ترويجية وخفض أسعار بعض الوجبات، فيما يُعرف بـ”حروب القيمة” بين سلاسل المطاعم. كما تعمل بعض الشركات على تحديث تقنيات الطهي وتحسين تجربة العملاء لجذب مزيد من الزبائن. ورغم تسجيل تحسن طفيف في حركة العملاء خلال بعض الفترات الموسمية، يحذر محللون من أن مستقبل القطاع سيظل مرتبطًا بمدى تعافي سوق العمل وثقة المستهلكين في الاقتصاد الأمريكي بشكل عام، حيث يعد مستوى التوظيف والدخل من أهم العوامل التي تحدد حجم الطلب على الوجبات السريعة.

إقرأ أيضا :
إندونيسيا تستعد لإرسال قوات إلى غزة ضمن خطة ترامب.. خطوة قد تعيد تشكيل المشهد الأمني في القطاع




