فايننشال تايمز: هل يواجه النظام الدولي تحديًا جديدًا؟ مبادرة ترامب لـ«مجلس السلام» تثير جدلًا حول مستقبل الأمم المتحدة
تشهد الساحة الدولية نقاشًا متصاعدًا حول مستقبل النظام العالمي متعدد الأطراف، في ظل تحركات سياسية جديدة تقودها الولايات المتحدة قد تعيد رسم ملامح التوازنات الدولية. ويأتي هذا الجدل بعد إطلاق مبادرة أمريكية تحمل اسم «مجلس السلام»، والتي يرى مراقبون أنها قد تمثل محاولة لإعادة تشكيل دور المؤسسات الدولية التقليدية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة. وتثير هذه المبادرة تساؤلات واسعة حول العلاقة التاريخية بين النفوذ الأمريكي والمنظمات الدولية، وما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تعزيز هيمنتها عبر مؤسسات بديلة، أم أنها تعيد صياغة أدواتها الدبلوماسية بما يتناسب مع المتغيرات الجيوسياسية الجديدة. وفقًا لتقرير صحيفة فايننشال تايمز.

«مجلس السلام».. مبادرة أمريكية تحمل دلالات سياسية ورمزية
أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبادرة «مجلس السلام»، التي كُشف عن شعارها خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث استوحي تصميمه من شعار الأمم المتحدة مع اختلافات رمزية واضحة تعكس توجهات سياسية مختلفة. ويشير التصميم الجديد إلى تركيز جغرافي على نصف الكرة الغربي، في خطوة اعتبرها محللون مؤشرًا على رؤية سياسية قد تمنح أولوية للمصالح الأمريكية والإقليمية على حساب الطابع العالمي الذي تتبناه المؤسسات الدولية التقليدية. ومن المقرر أن تستضيف واشنطن الاجتماع الأول للمجلس خلال فبراير الجاري، وسط تباين في مواقف الدول المدعوة للمشاركة.

غموض أهداف المجلس يثير مخاوف بشأن مستقبل النظام متعدد الأطراف
رغم أن المجلس أُنشئ رسميًا بموجب قرار يتعلق بتنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، فإن ميثاقه يتضمن بنودًا عامة تتحدث عن تعزيز السلام في مناطق النزاعات عالميًا دون الإشارة المباشرة إلى الأمم المتحدة أو القضية الفلسطينية. كما يمنح الميثاق الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة ورئاسة دائمة للمجلس، وهو ما أثار تحفظات دبلوماسية لدى بعض الدول التي تخشى من تحول المجلس إلى أداة نفوذ سياسي أمريكي خارج إطار المؤسسات الدولية القائمة.

العلاقة التاريخية بين واشنطن والمنظمات الدولية بين التعاون والصراع
يشير التقرير إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة والمنظمات الدولية لم تكن يومًا مستقرة، حيث لعبت واشنطن دورًا محوريًا في تأسيس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها في الوقت نفسه دخلت في صدامات متكررة مع هذه المؤسسات عندما تعارضت سياساتها مع مصالحها الاستراتيجية. ورغم الانتقادات الأمريكية المتكررة للأمم المتحدة، فإن واشنطن استفادت تاريخيًا من عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، التي تمنحها نفوذًا سياسيًا واسعًا دون تحمل أعباء كبيرة.

الأمم المتحدة بين مثالية التعاون الدولي وواقع توازنات القوى الكبرى
أوضح التقرير أن تأسيس الأمم المتحدة جاء بعد دروس قاسية من الحروب العالمية، حيث حاولت القوى المنتصرة بناء نظام دولي قائم على المساواة بين الدول مع الاعتراف في الوقت ذاته بتفوق القوى الكبرى. ولذلك جرى منح الدول الخمس الكبرى حق النقض في مجلس الأمن، وهو ما جعل المنظمة تجمع بين مبادئ التعاون الدولي وواقع التوازنات السياسية، وهو النموذج الذي ساهم في استمرارها رغم التحديات العالمية المتعاقبة.

تصاعد النزعة الأحادية الأمريكية يهدد مكانة واشنطن الدولية
يرى التقرير أن السياسات الأمريكية الأخيرة، بما في ذلك مواقفها من بعض القضايا الدولية وتحركاتها الأحادية، أثارت مخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي بالنظام الدولي القائم على القواعد. كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن التعددية الدولية تمثل المسار الوحيد لمعالجة الأزمات العالمية، منتقدًا الاعتماد على سياسات النفوذ الإقليمي أو الصراعات بين القوى الكبرى كبديل عن العمل الجماعي.

مستقبل النفوذ الأمريكي بين الهيمنة والتعددية الدولية
يخلص التقرير، الذي أعده المؤرخ مارك مازوور، إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أدوات تأثير هائلة داخل النظام الدولي، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على قدرتها على قيادة النظام العالمي عبر النفوذ الدبلوماسي والمؤسسي بدلاً من الاعتماد على القوة وحدها. ويرى التقرير أن أي مؤسسة دولية جديدة تعتمد على الولاء السياسي لدولة واحدة قد تواجه صعوبة في تحقيق قبول عالمي واسع، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الدولية وتزايد مطالب الدول بتوازن أكبر في مراكز صنع القرار



