إيران بين الشارع والسلطة: دروس من ثورة 1979 وتحولات اليوم
تعيش إيران في بداية 2026 لحظة حرجة على صعيد السياسة والاقتصاد والمجتمع، وسط احتجاجات واسعة لم تشهدها البلاد منذ أوائل الثمانينيات. يشير التاريخ، وبالأخص ثورة 1979 التي أطاحت بالشاه وأوصلت رجال الدين المتشددين إلى السلطة، إلى أن أي تحولات سياسية كبرى في طهران لن تكون سهلة التنبؤ، وأن نتائجها قد تمتد لتؤثر على الشرق الأوسط بأسره.
تشابه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
تشير أحداث ديسمبر 2025 ويناير 2026 إلى تكرار دور الاقتصاد كمحفز للاحتجاجات، كما كان الحال قبل سقوط الشاه. فقد أدت التضخمات الحادة في أسعار السلع الأساسية إلى إشعال الغضب الشعبي، مع مشاركة واسعة من التجار والحرفيين الذين تأثرت سبل رزقهم. هذه الديناميكية الاقتصادية تذكرنا بما حدث في 1977 حين ارتفعت الأسعار بنسبة وصلت إلى 27%، وأدت إلى اندلاع احتجاجات من قلب الأسواق التقليدية في طهران.
دورة الاحتجاج والقمع
تتشابه الأحداث الجارية مع دورة القمع والحداد التي سبقت سقوط الشاه. ففي يناير 1978، أدت وفاة طلاب على يد القوات الأمنية بعد احتجاجات في مدينة قم إلى انطلاق سلسلة من المظاهرات 40 يومًا تلتها موجات أخرى من الاحتجاج. هذا التقليد لدى المسلمين الشيعة في إيران لتخليد ذكرى الموتى قد يعيد نفسه اليوم، خاصة مع دعوات التجار في بازار طهران للتظاهر بعد انتهاء فترة الأربعين يومًا، مواصلين الاحتجاج لإحياء ذكرى الضحايا والمطالبة بالقصاص.
التحالفات المتنوعة والكوادر الشعبية
كانت حركة 1978–1979 حركة واسعة التحالف، شملت رجال الدين المتشددين، والفقراء والمحرومين، والليبراليين والوطنيين، والفتيات والنساء، والمجتمعات العرقية والدينية المختلفة. وقد شكل هذا التنوع قوة احتجاجية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى تفرد فصيل واحد بعد سقوط الشاه، ما أتاح لرجال الدين فرض رؤية سلطوية صارمة على الدولة.
تحديات المستقبل المحتمل
حتى في حال سقوط النظام الحالي، فإن اتجاه إيران الجديد لن يكون واضحًا فورًا، كما شهدنا مع عودة الخميني. فقد تطلب الأمر سنوات لبناء مؤسسات الدولة الجديدة، وإنشاء قوات الأمن الخاصة، والقضاء على أي خصوم محتملين. وهذا يقدم درسًا مهمًا للمتظاهرين اليوم: لا يكفي إسقاط النظام، بل يتطلب بناء تحالف شعبي واسع وإعداد رؤية واضحة لمستقبل البلاد.
الدروس المستفادة للثورة المعاصرة
يبقى التحدي الأكبر للمجتمع الإيراني المعاصر هو تحقيق توازن بين الوحدة في الهدف وتنوع الرؤى المستقبلية، بحيث لا يتحول الانتصار على النظام إلى سيطرة فصيل واحد على مصير البلاد. فكما حدث في 1979، فإن الشارع قد ينتصر على السلطة، لكن المعركة الحقيقية من أجل الحرية والازدهار والأمن لا تزال في بداياتها.



