الجارديان: توتر أوروبي متصاعد.. ألمانيا تضغط على فرنسا لزيادة الإنفاق العسكري وسط شكوك بشأن المظلة الأمريكية
تشهد الساحة الأوروبية تصاعدًا ملحوظًا في الجدل حول مستقبل الأمن الدفاعي للقارة، بعدما وجهت ألمانيا انتقادات مباشرة إلى فرنسا مطالبة إياها بزيادة إنفاقها العسكري لتعزيز قدرة أوروبا على حماية نفسها في ظل تزايد الشكوك بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها. ويأتي هذا الضغط في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من التحديات الأمنية المتنامية، وعلى رأسها التهديدات الروسية، إلى جانب التوترات داخل حلف شمال الأطلسي بشأن توزيع أعباء الدفاع. وتعكس هذه التطورات تحولات استراتيجية داخل القارة الأوروبية تدفع نحو إعادة تقييم العلاقات الدفاعية والتحالفات التقليدية، خاصة مع تنامي الدعوات لتعزيز الاستقلال الدفاعي الأوروبي وتقليل الاعتماد على واشنطن، وفقًا لتقرير الجارديان.
برلين تضغط على باريس لتحقيق السيادة الدفاعية الأوروبية
طالب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول فرنسا بزيادة إنفاقها العسكري، مؤكدًا أن تحقيق فكرة “السيادة الأوروبية” التي يدافع عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتطلب خطوات عملية وليس مجرد تصريحات سياسية. وأوضح المسؤول الألماني أن أوروبا تواجه مرحلة جديدة قد تضطر خلالها إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية في مجال الدفاع، ما يستوجب من القوى الكبرى داخل الاتحاد الأوروبي تحمل مسؤوليات أكبر. وتُعد هذه التصريحات مؤشرًا على تنامي القلق داخل ألمانيا بشأن قدرة أوروبا على مواجهة التحديات الأمنية المستقبلية دون دعم أمريكي كامل.
أهداف الناتو الطموحة تصطدم بتباطؤ التنفيذ الأوروبي
يأتي الجدل الحالي في أعقاب تعهد دول حلف شمال الأطلسي بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو هدف يرى مسؤولون ألمان أن التقدم نحوه ما يزال محدودًا. وأشار فاديفول إلى أن فرنسا لم تحقق بعد مستويات الإنفاق المطلوبة، رغم أنها إحدى القوى العسكرية الكبرى في أوروبا. وتكشف هذه الانتقادات عن فجوة واضحة بين الطموحات الدفاعية الأوروبية والقدرات المالية الفعلية للدول الأعضاء، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية التي تعاني منها العديد من الحكومات الأوروبية.
ألمانيا توسع ميزانيتها الدفاعية رغم القيود الاقتصادية
في المقابل، اتخذت ألمانيا خطوات كبيرة لتعزيز قدراتها العسكرية، حيث قررت استثناء معظم النفقات الدفاعية من القيود الدستورية المفروضة على الديون، وخصصت أكثر من 500 مليار يورو للإنفاق العسكري بين عامي 2025 و2029. ويعكس هذا القرار تحولًا تاريخيًا في السياسة الدفاعية الألمانية التي ظلت لعقود متحفظة في الإنفاق العسكري. وتسعى برلين من خلال هذه الخطوة إلى لعب دور قيادي في الأمن الأوروبي، خاصة مع تزايد المخاوف من التهديدات الروسية وضرورة تعزيز الجاهزية العسكرية داخل القارة.

خلافات فرنسية ألمانية حول الاستقلال النووي الأوروبي
تزامن الضغط الألماني مع نقاشات حساسة حول إمكانية انضمام ألمانيا إلى المظلة النووية الفرنسية، وهي فكرة طرحت في محادثات أولية بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس ماكرون. غير أن هذه المقترحات كشفت عن انقسامات داخل الحكومة الألمانية، حيث أبدى بعض المسؤولين تحفظهم على إنشاء منظومة ردع نووي أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة. كما أثار منتقدون مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى إرسال إشارات خاطئة إلى واشنطن بشأن تراجع اعتماد أوروبا على الحماية النووية الأمريكية.
تصاعد المخاوف من روسيا يدفع أوروبا نحو إعادة التسلح
يتزامن هذا الجدل مع تحذيرات متزايدة من التهديدات الأمنية التي تشكلها روسيا على أوروبا، حيث شدد القادة الألمان على أهمية الحفاظ على التزام الولايات المتحدة تجاه أمن القارة عبر حلف الناتو. وفي الوقت ذاته، دعا مسؤولون عسكريون أوروبيون إلى تعزيز القدرات الدفاعية والاستعداد لاحتمالات تصاعد النزاعات الدولية، معتبرين أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغيرًا جذريًا في توازنات القوى العالمية، ما يفرض على أوروبا إعادة بناء منظومتها العسكرية وتعزيز جاهزيتها الاستراتيجية.



