خطة ترامب لوول ستريت تثير المخاوف: هل يتحول المستثمر الصغير إلى ضحية لرهانات مالية خطرة؟

تشهد الأسواق المالية الأمريكية جدلاً واسعاً حول توجهات الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب نحو توسيع نطاق استثمارات الأصول البديلة داخل حسابات التقاعد، وهي خطوة يراها أنصارها محاولة لإتاحة فرص استثمارية أكبر للأمريكيين العاديين، بينما يحذر منتقدوها من مخاطر جسيمة قد تهدد مدخرات ملايين المستثمرين الصغار. فوسط ضغوط التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، يجد كثير من المواطنين أنفسهم يبحثون عن وسائل سريعة لتعزيز عوائدهم الاستثمارية، ما يجعلهم عرضة لعروض مالية معقدة وعالية المخاطر.
وتكشف شهادات ضحايا هذه الاستثمارات عن قصص خسائر فادحة ومدخرات تقاعد تبخرت خلال سنوات قليلة، في وقت تسعى فيه شركات وول ستريت إلى اقتناص جزء أكبر من سوق حسابات التقاعد الأمريكية التي تُقدر بتريليونات الدولارات. ويثير ذلك تساؤلات متزايدة حول مدى كفاية الضوابط التنظيمية لحماية المستثمرين غير المحترفين من المنتجات المالية المعقدة، خاصة مع توجه سياسي وتشريعي نحو تخفيف القيود المفروضة على هذه الاستثمارات. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية.
اندفاع نحو الاستثمارات البديلة وسط وعود بالأرباح المرتفعة
تشمل الاستثمارات البديلة مجموعة واسعة من المنتجات المالية التي تختلف عن الأسهم والسندات التقليدية، مثل الأسهم الخاصة وصناديق التحوط والمذكرات الهيكلية والعملات الرقمية. وتروج الشركات لهذه الأدوات باعتبارها توفر فرص نمو وتنويع استثماري أعلى، وهي الرسالة التي تتبناها الإدارة الأمريكية باعتبارها وسيلة لتمكين المستثمرين العاديين من الوصول إلى فرص كانت حكرًا على الأثرياء.
لكن الخبراء يحذرون من أن هذه المنتجات غالباً ما تكون أكثر تعقيداً وأقل شفافية، كما تخضع لمستويات أقل من الرقابة التنظيمية مقارنة بالأسواق العامة. وتشير الدراسات إلى أن المستثمرين الصغار يفتقرون عادة إلى المعرفة المالية الكافية لتقييم هذه الاستثمارات أو فهم مخاطرها الحقيقية، ما يجعلهم عرضة لخسائر كبيرة قد تؤثر على استقرارهم المالي ومستقبلهم التقاعدي.
قصص خسائر فردية تكشف حجم المخاطر المحتملة
تسلط تجارب بعض المستثمرين الضوء على المخاطر الكامنة في هذه المنتجات. فقد فقدت إحدى المستثمرات أكثر من نصف مدخراتها التقاعدية بعد أن أقنعها مستشار مالي بالاستثمار في أدوات مالية عالية المخاطر، بعدما أكد لها أن أموالها ستكفي لتقاعد مريح. وتكررت هذه السيناريوهات مع مستثمرين آخرين خسروا مئات الآلاف من الدولارات بعد أن وثقوا في توصيات مستشارين قدموا تلك الاستثمارات باعتبارها آمنة أو مضمونة.
وتكشف هذه الحالات عن فجوة كبيرة في فهم المستثمرين لطبيعة المنتجات المالية المعقدة، حيث يعترف كثير منهم بأنهم لم يتمكنوا من استيعاب تفاصيل العقود أو نشرة الطرح الخاصة بهذه الاستثمارات، معتمدين بشكل كامل على نصائح الوسطاء الماليين.
التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة يدفعان المستثمرين إلى المجازفة
تأتي موجة التوسع في الاستثمارات البديلة في وقت يشعر فيه كثير من الأمريكيين بقلق متزايد بشأن تآكل مدخراتهم نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف الحياة اليومية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية المتقاعدين يخشون تراجع قيمة أصولهم المالية، بينما يرى عدد كبير من المشاركين في خطط التقاعد أن التضخم يمثل العقبة الأكبر أمام تحقيق تقاعد مريح.
ويستغل مسوقو المنتجات المالية هذا القلق للترويج لاستثمارات تعد بعوائد مرتفعة أو حماية من التضخم، ما يزيد من احتمالات انجذاب المستثمرين الصغار إلى صفقات قد تكون شديدة المخاطر أو حتى عرضة للاحتيال.
رسوم مرتفعة وتضارب مصالح يضعف عوائد المستثمرين
تشير دراسات اقتصادية إلى أن كثيراً من الاستثمارات البديلة تفرض رسوماً مرتفعة تشمل عمولات بيع وتكاليف إدارة، وهو ما يقلص العوائد النهائية للمستثمرين حتى في الحالات التي تحقق فيها هذه المنتجات أرباحاً. كما يؤدي هذا النموذج إلى تضارب مصالح بين الشركات التي تصمم وتبيع هذه الاستثمارات والمستثمرين أنفسهم، إذ قد يحصل الوسطاء على أرباح كبيرة بغض النظر عن نتائج الاستثمار.
وأظهرت أبحاث مقارنة أن بعض صناديق الاستثمار العقاري الخاصة تحقق عوائد أقل بكثير من نظيراتها المتداولة في الأسواق العامة، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى الرسوم الأولية المرتفعة التي يتحملها المستثمرون.
تحولات تنظيمية قد تقلص الحماية القانونية للمستثمرين
يأتي هذا التوسع في الاستثمارات البديلة ضمن توجه سياسي وتشريعي يهدف إلى تخفيف القيود التنظيمية على الشركات المالية. وتشمل هذه الجهود أوامر تنفيذية وتشريعات تسعى إلى توسيع نطاق الشركات القادرة على طرح استثمارات دون الإفصاح الكامل عن بياناتها المالية، إضافة إلى تقليص قدرة المستثمرين على مقاضاة المؤسسات المالية في حال وقوع خسائر.
ويرى المدافعون عن حقوق المستثمرين أن هذه التغييرات قد تفتح الباب أمام موجة جديدة من المخاطر، خاصة أن الإجراءات القانونية لاسترداد الأموال غالباً ما تكون معقدة ومكلفة بالنسبة لصغار المستثمرين، في حين يتمتع المستثمرون الأثرياء بقدرة أكبر على الدفاع عن حقوقهم.
مستقبل سوق الاستثمارات البديلة واحتمالات اتساع المخاطر
تشير التوقعات إلى أن حجم الاستثمارات البديلة المملوكة للمستثمرين الأفراد قد يرتفع بشكل كبير خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعكس شهية متزايدة من شركات وول ستريت لهذا السوق الضخم. ومع ذلك، يخشى الخبراء من أن يتحمل المستثمرون الصغار الجزء الأكبر من المخاطر، بينما تستفيد المؤسسات المالية من الرسوم والعوائد المرتفعة.
ويرى محللون أن غياب المعرفة المالية الكافية لدى كثير من المستثمرين، إلى جانب تعقيد هذه المنتجات الاستثمارية، قد يؤدي إلى خسائر واسعة النطاق إذا لم يتم تعزيز الضوابط التنظيمية ورفع مستوى الوعي الاستثماري لدى الجمهور.
إقرأ أيضا:
رهانات سلبية غير مسبوقة على الدولار.. هل تفقد العملة الأمريكية بريقها العالمي؟



