أمل عادل تكتب: فانوس رمضان.. ضوء يتحدى الغلاء ويرسم بهجة المصريين

مع أول خيط من خيوط المساء، تتلألأ الشوارع بزينة ملونة وصوت ضحكات الأطفال التي تعلو مع كل “وحوي يا وحوي”. الفانوس هذا العام ليس مجرد حكاية من الماضي، بل هو بطل الحكاية الجديد الذي قرر أن يغالب الأسعار بابتسامة صانع ماهر وإصرار أب يريد أن يرى الفرحة في عيون صغاره. هي قصة نور بسيطة تبدأ من ورش السيدة زينب لتصل إلى كل بيت، معلنة أن بهجة رمضان أقوى من أي حسابات، وأن سحر الفانوس لا يزال يسكن القلوب قبل البيوت.
بورصة تحت الربع.. صراع الهوية بين النحاس الخالد والصاج المقاوم
بينما تشير تقارير البنوك المركزية إلى تذبذب مؤشرات التضخم، تبدو بورصة الفوانيس في حي السيدة زينب والحسين أكثر استقراراً بفضل ذكاء الصانع المصري. في ورش منطقة تحت الربع، يرفض الأسطى والعمال الاستسلام لغلاء الخامات؛ فقد استُبدلت بعض المعادن المستوردة ببدائل محلية معالجة كيميائياً لتعطي بريق النحاس بتكلفة الصاج.
ورغم ذلك، تظل الفوانيس الملكية المصنوعة يدوياً بالكامل، والمطعمة بالزجاج المعشق، هي الملاذ للأسر التي تنظر للفانوس كاستثمار طويل الأمد؛ إذ تتراوح أسعار المقاسات المتوسطة منها بين 450 و1500 جنيه، بينما تخطت الفوانيس السلطانية المخصصة للقصور والمداخل الكبرى حاجز 5000 جنيه، لتمثل قمة الهرم التسويقي هذا العام.
سيكولوجية الاستهلاك.. كيف أعاد المصريون تعريف ميزانية البهجة؟رصد التحقيق تحولاً جذرياً في سلوك المستهلك، حيث ظهرت سيكولوجية التكيف من خلال ثلاثة مسارات تسويقية كبرى:
المسار التكنولوجي وفوانيس الذكاء الاصطناعي: ظهر هذا العام فانوس المستقبل الذي يعمل بنظام استشعار للحركة ويعرض صوراً ثلاثية الأبعاد الهولوجرام للشخصيات التراثية مثل المسحراتي وفطوطة. هذا الفانوس الذي تصدر محركات البحث، استقر سعره في المتاجر الكبرى بين 3200 و3800 جنيه، ورغم سعره المرتفع، إلا أن الطلب عليه من طبقة الشباب التقنيين كان لافتاً.
المسار الشعبي وشخصيات الأرض: ظلت شخصيات بوجي وطمطم وفنانيس هي الأكثر قرباً لقلب الطفل المصري، بأسعار مدروسة بدقة تبدأ من 180 جنيهاً وتصل إلى 600 جنيه، مع تحسينات في جودة الصوت والإضاءة لتنافس المستورد الصينيالذي تراجع وجوده لصالح الصنع في مصر.
المسار الاقتصادي والفانوس الصديق للبيئة: حققت فوانيس الخرز والكروشيه المصنوعة يدوياً طفرة هائلة؛ فهي ليست مجرد فوانيس، بل هي مشاريع متناهية الصغر دعمت آلاف الأسر. تبدأ أسعارها من 100 جنيه وتتميز بأنها غير قابلة للكسر، مما يجعلها الخيار الأمثل للعائلات ذات الأطفال الكثر.
الفانوس كترند رقمي.. منصات التواصل تعيد تشكيل السوق
لم تعد الأسواق المادية هي اللاعب الوحيد؛ فقد تحولت منصات تيك توك وإنستغرام إلى صالات عرض كبرى. يقول خبراء التسويق إن فيديوهات الفتح للفوانيس الجديدة ساهمت في رفع مبيعات أنواع معينة بنسبة 40% قبل بداية الموسم بشهر كامل. كما دخلت شركات التقسيط على الخط، حيث أتاحت لبعض العائلات شراء ديكورات رمضان المتكاملة، الفانوس مع زينة الخيامية، بنظام الدفع المقسم، مما خفف العبء عن الميزانية الشهرية.
التكافل الاجتماعي.. فانوس لكل طفل
في لفتة إنسانية تعكس معدن الشعب, انتشرت مبادرات مجتمعية تحت شعار فانوس لكل طفل، حيث قام كبار التجار بتخصيص ركن الخير لبيع فوانيس خشبية بسيطة بسعر التكلفة من 40 إلى 60 جنيهاً لضمان ألا يخلو منزل في الأحياء الشعبية من رمزية الضوء. هذا التكافل هو ما يمنح الموسم طعمه الخاص، ويؤكد أن المجتمع المصري يمتلك آليات دفاعية ذاتية ضد الإحباط الاقتصادي.
انتصار الفرحه على الظروف
إن التقرير النهائي لسوق الفوانيس في 2026 لا يقرأ في دفاتر الحسابات، بل في عيون الأطفال وهم يمسكون بمصادر الضوء في شوارع المحروسة. لقد أثبت قنديل الصمود أن الهوية الثقافية أقوى من التقلبات النقدية، وأن المصري الذي شيد الأهرامات ونحت الصخر، قادر دائماً على ابتكار نور جديد كل عام، ليظل الفانوس هو البطل الأوحد الذي لا ينطفئ وهجه مهما بلغت قوة الرياح.



