ميرتس في بكين: إنذار ألماني صريح للصين يهدد بقلب قواعد التجارة بين برلين وبكين

تتجه الأنظار الأوروبية إلى زيارة المستشار الألماني Friedrich Merz المرتقبة إلى بكين، حيث سيلتقي بالرئيس الصيني Xi Jinping في أول زيارة دولة له منذ توليه المنصب. لكن هذه الزيارة لن تكون بروتوكولية أو تقليدية كما في عهد أسلافه، بل تحمل في طياتها رسالة أكثر حدة ووضوحًا بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصاد أوروبي وثاني أكبر اقتصاد عالمي.
فبعد سنوات من الاعتماد الألماني العميق على السوق الصينية، تبدو برلين اليوم أقرب إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة، وسط تصاعد الضغوط الصناعية في الداخل الأوروبي وتزايد المخاوف من الممارسات التجارية الصينية. السؤال لم يعد ما إذا كانت ألمانيا ستغير نهجها تجاه بكين، بل إلى أي مدى ستذهب في هذا التغيير. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
الهند أولًا… رسالة سياسية قبل أن تكون اقتصادية
اختار ميرتس أن يبدأ أولى زياراته الآسيوية بالهند، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها إشارة مباشرة إلى نية برلين تنويع شراكاتها وتقليص اعتمادها على الصين. ففي الوقت الذي اختارت فيه Angela Merkel بكين كوجهتها الآسيوية الأولى عام 2006، وفضّل Olaf Scholz زيارة اليابان قبل الصين، جاء ترتيب ميرتس مختلفًا وأكثر وضوحًا في دلالاته الاستراتيجية.
الرسالة لم تمر دون أن تلاحظها بكين. فاختيار الهند — المنافس الإقليمي الأكبر للصين — يعكس توجهاً ألمانياً جديداً يرى في نيودلهي “سوق المستقبل”، ويعكس أيضًا قناعة متزايدة داخل برلين بأن نموذج الاعتماد المفرط على الصين لم يعد مستدامًا في ظل التوترات الجيوسياسية والاختلالات التجارية المتزايدة.
من شريك صناعي إلى تهديد وجودي
على مدار عقدين، كانت الصين بمثابة محرك نمو للصادرات الألمانية، خاصة في قطاعات السيارات والآلات الصناعية. لكن الصورة تغيّرت جذريًا خلال السنوات الأخيرة. فالصين لم تعد فقط سوقًا واعدة، بل أصبحت منافسًا مباشرًا يهدد قطاعات استراتيجية ألمانية.
تراجع الصادرات الألمانية إلى الصين، وانخفاض حاد في صادرات السيارات، وتحول الميزان التجاري في بعض القطاعات لصالح بكين، كلها مؤشرات على تغير المعادلة. ولم يكن فرض قيود صينية على تصدير المعادن النادرة — الحيوية للصناعات الدفاعية والسيارات والطاقة المتجددة — سوى تذكير قاسٍ بمدى اعتماد الصناعة الألمانية على سلاسل التوريد الصينية.
تصدّع الثقة السياسية بين برلين وبكين
التوتر لم يعد اقتصاديًا فقط، بل امتد إلى المجال السياسي. فقد دخل ميرتس منصبه بنبرة أكثر تشككًا تجاه الصين، محذرًا الشركات الألمانية من “المخاطر الكبيرة” للاستثمار هناك.
وفي خضم تصاعد التوترات حول مضيق تايوان، ألغى وزير الخارجية الألماني زيارة إلى الصين بعد خلافات دبلوماسية، في مؤشر واضح على هشاشة العلاقات. هذه الوقائع تعكس تحوّلًا في المزاج السياسي الألماني، الذي لم يعد مستعدًا للفصل بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الجيوسياسية كما كان الحال سابقًا.
تحول ألماني نحو “اشترِ أوروبيًا”
المثير أن ميرتس، المعروف بدفاعه التقليدي عن التجارة الحرة، بدأ يُظهر مرونة غير مسبوقة تجاه أدوات حمائية محدودة. فقد أيد إجراءات لحماية صناعة الصلب الألمانية من الإغراق الصيني، وأبدى انفتاحًا على مقترح أوروبي يمنح الأفضلية للمنتجات الأوروبية في المشتريات العامة ضمن قطاعات استراتيجية.
هذه المقاربة تتقاطع مع توجهات باريس وبروكسل، خصوصًا مع استعداد المفوضية الأوروبية لطرح تشريعات تفرض حدًا أدنى من المكونات الأوروبية في تقنيات مثل البطاريات والسيارات والطاقة المتجددة مقابل الحصول على دعم حكومي. ومع ذلك، يصر ميرتس على أن أي إجراءات حمائية يجب أن تكون مؤقتة ومحدودة وملاذًا أخيرًا، تفاديًا لانزلاق شامل نحو حرب تجارية.
رسالة واضحة إلى شي جين بينغ
في بكين، سيحمل ميرتس رسالة مزدوجة: ألمانيا لا تسعى إلى مواجهة، لكنها لن تقبل باستمرار اختلال التوازن. سيطالب بكين بكبح فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية الذي يغرق الأسواق الأوروبية، والحد من الدعم الحكومي غير العادل للشركات الصينية، وضمان تكافؤ الفرص أمام المستثمرين الأجانب.
لكن الرسالة تتضمن تحذيرًا ضمنيًا: إذا لم تتحرك الصين لتعديل سياساتها، فإن تصاعد النزعة الحمائية في أوروبا — بما في ذلك في برلين — سيكون نتيجة طبيعية لا يمكن لبكين أن تتفاجأ بها.
بهذا المعنى، لا تمثل زيارة ميرتس مجرد محطة دبلوماسية، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم ملامح العلاقة الاقتصادية بين أوروبا والصين في السنوات المقبلة.



