هرمز .. باب المندب .. وخطوط القاهرة الحمراء

في لحظة إقليمية مشحونة ، حيث تتقاطع المصالح وتتصاعد التهديدات ، اختارت القاهرة أن تتحدث بنبرة دولة تعرف جيدًا أين تقف ومتى تتكلم ولماذا !؟
لم يكن خطاب مندوب مصر الدائم لدى مجلس الأمن الدولي مجرد مداخلة دبلوماسية عابرة ، بل بدا أقرب إلى بيان سيادي مكتمل الأركان ، يحمل بين سطوره رسالة واضحة : أمن الممرات المائية ليس بندًا تفاوضيًا ، بل خط أحمر .
من مضيق هرمز إلى باب المندب ، رسمت مصر خريطة أمنها القومي بوضوح لا يحتمل التأويل . فهذه الشرايين البحرية ليست مجرد خطوط على خرائط الملاحة ، بل هي الامتداد الطبيعي لحياة قناة السويس ، القلب النابض للاقتصاد المصري ، والركيزة التي تتقاطع عندها مصالح الشرق والغرب .
ولأن السياسة في لحظات الخطر لا تعرف المجاملة ، جاء الموقف المصري صريحًا في إدانة ما وصفه بالاعتداءات الإيرانية على الاشقاء فى دول الخليج ، والأردن ، والعراق .
لم تكن هذه الإدانة مجرد موقف تضامني ، بل تعبيرًا عن إدراك عميق بأن العبث بأمن الجوار هو اقتراب مباشر من حدود الأمن القومى المصري ذاته .
القاهرة ، التي درست التاريخ جيدًا واستفادت من دروسه ، تدرك أن ترك الممرات الحيوية رهينة للتهديد أو المساومة يعني فتح أبواب الفوضى على مصراعيها ، لذلك لم تكتفِ بالرفض والشجب والإدانة ، بل طالبت بوقف فوري لكل أشكال التصعيد ، وعلى رأسها استهداف السفن التجارية ، مؤكدة أن حرية الملاحة ليست امتيازًا تمنحه دولة ، بل حق يكفله القانون الدولي .
اللافت في هذا المشهد ليس فقط قوة العبارات ، بل التحول في النبرة . مصر هنا لا تتحدث كطرف معني فحسب ، بل كقوة إقليمية ترى في استقرار الخليج وأمن البحر الأحمر جزءًا لا يتجزأ من مسؤوليتها . إنها لغة تتجاوز حدود الجغرافيا ، وتؤسس لدور أوسع عنوانه : حماية التوازن في منطقة تعيش على حافة الانفجار .
وفي خلفية هذا المشهد ، يلوح سؤال لا يمكن تجاهله : هل تصل الرسالة إلى طهران ؟ وهل تدفعها إلى مراجعة حساباتها ؟
الإجابة؛ كما يقول منطق السياسة ، لا تُقاس بالكلمات وحدها ، بل بما تفرضه موازين القوى على الأرض . لكن المؤكد أن القاهرة بهذا الموقف لم تترك مجالًا للغموض . لقد وضعت النقاط فوق الحروف ، وأعلنت أن أمن الممرات البحرية خط دفاع أول لا يقبل المساومة ولا التأجيل .
هكذا وبهدوء الواثق عادت مصر لتقول كلمتها ،كلمة قد لا تُغير العالم في لحظة ، لكنها بالتأكيد تعيد رسم حدوده وخطوطه الحمراء .



