فايننشال تايمز: الدولار تحت الاختبار: كيف كشفت حرب إيران حدود سلاح الهيمنة المالية

في خضم التصعيد العسكري والتوترات المتلاحقة في منطقة الخليج، أعادت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران فتح نقاش قديم حول قوة الدولار كأداة للهيمنة الجيوسياسية. فبينما لطالما اعتُبر النظام المالي العالمي القائم على العملة الأمريكية أحد أقوى أدوات الضغط، تشير التطورات الأخيرة إلى أن هذا “السلاح” لم يعد بالفعالية نفسها، بل ربما أصبح عبئًا استراتيجيًا في بعض السياقات.
فالعقوبات الواسعة، وقيود الوصول إلى النظام المالي الدولي، لم تمنع خصوم واشنطن من التكيّف، بل دفعتهم إلى تطوير بدائل مالية وتجارية تقلل من الاعتماد على الدولار. وبدلًا من خنق الاقتصادات المستهدفة، يبدو أن هذه السياسات حفّزت ظهور شبكات موازية خارج السيطرة الأمريكية.
وفي ظل هذه التحولات، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام المالي العالمي، ومدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على نفوذها الاقتصادي في عالم يتجه تدريجيًا نحو التعددية النقدية.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة Financial Times، فإن الحرب مع إيران كشفت بشكل واضح حدود فعالية الدولار كسلاح جيوسياسي.
تراجع فعالية “الدولار المُسَلَّح”
لطالما استخدمت الولايات المتحدة هيمنة الدولار كوسيلة لفرض العقوبات والضغط على خصومها. لكن التجربة الأخيرة تشير إلى أن هذا السلاح يفقد تدريجيًا تأثيره، خاصة عندما يُستخدم بشكل مفرط.
فالتهديد بحرمان الدول من الوصول إلى النظام المالي العالمي لم يعد يحمل الرهبة ذاتها، بعدما أثبتت عدة دول قدرتها على التكيف والالتفاف على هذه القيود.
تجربة روسيا: العقوبات لا توقف الحروب
عندما تم استبعاد البنوك الروسية من نظام “سويفت” في عام 2022، توقع كثيرون أن يؤدي ذلك إلى شلل اقتصادي. لكن الواقع أظهر عكس ذلك إلى حد كبير.
فروسيا واصلت تمويل عملياتها العسكرية، ونجحت في تصدير النفط بطرق بديلة، ما كشف أن العقوبات المالية، رغم تأثيرها، ليست كفيلة بإسقاط اقتصاد كبير أو وقف نزاع عسكري.
إيران: اقتصاد تحت العقوبات… لكنه مستمر
تُعد إيران من أكثر الدول تعرضًا للعقوبات الشاملة، ومع ذلك لم تمنعها هذه القيود من مواصلة تصدير النفط، حتى خلال المواجهة مع الولايات المتحدة.
بل إن طهران تمكنت من فرض رسوم غير رسمية على بعض السفن المارة عبر مضيق هرمز، ووصل الأمر إلى طرح فكرة تحصيل رسوم عبور باستخدام العملات الرقمية، ما يعكس قدرة لافتة على التكيف مع القيود المالية التقليدية.
بدائل الدولار: الصين والعملات الرقمية
أحد أبرز أسباب تراجع فعالية العقوبات هو ظهور بدائل حقيقية للدولار.
فإيران، على سبيل المثال، تعتمد بشكل متزايد على التعامل باليوان الصيني في تجارتها، خاصة أن جزءًا كبيرًا من وارداتها يأتي من الصين.
إلى جانب ذلك، فتحت العملات الرقمية، مثل البيتكوين والعملات المستقرة، بابًا جديدًا للتحويلات المالية خارج سيطرة النظام المصرفي التقليدي، ما يقلل من قدرة الولايات المتحدة على تتبع أو تقييد هذه المعاملات.
اقتصاد الظل: شبكة مالية خارج الرقابة
تشير تقارير بحثية إلى وجود شبكة من البنوك والشركات المالية “الظل” التي تقبل التعامل مع الدول الخاضعة للعقوبات، مقابل تحمل المخاطر.
هذه الشبكات توفر قنوات بديلة لغسل الأموال أو تسوية المدفوعات، ما يقلل من تأثير القيود المفروضة على النظام المالي الرسمي، ويخلق نظامًا موازيًا أقل شفافية لكنه فعال.
سلاح ذو حدين: حين تدفع العقوبات نحو البدائل
المفارقة أن استخدام الدولار كسلاح يدفع الدول المستهدفة إلى البحث عن بدائل، وهو ما حذرت منه دول “أوبك” منذ عقود.
فكلما زادت الضغوط، زادت الحوافز للابتعاد عن النظام المالي الأمريكي، ما قد يؤدي على المدى الطويل إلى تقويض مكانة الدولار نفسه.
وبدلًا من تعزيز النفوذ الأمريكي، قد يتحول النظام المالي العالمي إلى ساحة تنافس مفتوحة بين قوى متعددة.



