طهران تلعب بالورقة الأوروبية.. مناورة دبلوماسية جديدة لزيادة الضغط على واشنطن في معركة هرمز

في تحرك دبلوماسي لافت يعكس تبدلًا مهمًا في حسابات طهران، بدأت إيران خلال الساعات الأخيرة فتح قنوات أكثر دفئًا مع العواصم الأوروبية، في محاولة واضحة لاستثمار التباعد المتزايد بين أوروبا والولايات المتحدة بشأن ملفات الشرق الأوسط وحرية الملاحة في مضيق هرمز. التحرك الإيراني جاء عقب جولة مفاوضات إسلام آباد التي استمرت 21 ساعة دون حسم، حيث كثّف وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالاته مع باريس وبرلين وعدد من العواصم الإقليمية، عارضًا تفاصيل ما كانت طهران مستعدة لتقديمه بخصوص مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ومستقبل إدارة المضيق. هذه الخطوة تعكس رغبة إيرانية في تحويل أوروبا إلى “ورقة ضغط” على إدارة ترامب لدفعها نحو تنازلات أكبر، خاصة مع اتساع الشرخ عبر الأطلسي في ملفات الحرب، الطاقة، وحلف الناتو، وفقًا لتقرير الجارديان حسب المصدر.
أوروبا تعود إلى المشهد بعد تهميش طويل
لأكثر من عام، جرى تهميش أوروبا في الملف الإيراني مع تركيز واشنطن على التنسيق المباشر مع إسرائيل، بينما نظرت طهران إلى العواصم الأوروبية باعتبارها امتدادًا للموقف الأمريكي. لكن التطورات الأخيرة، خاصة الضغوط الاقتصادية الهائلة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الحرب، دفعت إيران إلى إعادة تقييم موقفها، معتبرة أن أوروبا قد تصبح مدخلًا فعالًا لتليين الموقف الأمريكي أو على الأقل تعميق الانقسام داخل المعسكر الغربي.
هرمز.. من ورقة تهديد إلى مصدر نفوذ اقتصادي
أحد أبرز محاور التحرك الإيراني يتمثل في مستقبل مضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث النفط المنقول بحرًا وقرابة 11% من التجارة البحرية العالمية. إيران تسعى لتسويق فكرة نظام رسوم عبور منخفضة نسبيًا على السفن التجارية، باعتباره آلية “شرعية” لإدارة المضيق وتأمين الملاحة، وفي الوقت نفسه مصدر دخل اقتصادي بديل في ظل العقوبات. هذا الطرح يضع أوروبا أمام معادلة صعبة بين حماية حرية الملاحة ومراعاة أن أي ترتيبات طويلة الأجل لا يمكن أن تنجح دون إشراك طهران.
تحالف بحري أوروبي دفاعي قيد التشكيل
في المقابل، تتحرك باريس ولندن وشركاؤهما الأوروبيون لدراسة إنشاء تحالف بحري دفاعي غير قتالي يهدف إلى تأمين حرية الملاحة في هرمز بعد انتهاء الصراع. المبادرة تستند إلى خبرة الاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر خلال عملية “أسبيدس”، لكن قواعد الاشتباك ما تزال موضع نقاش حساس. التحدي الأكبر يتمثل في كيفية تحقيق هذا الهدف دون أن يُنظر إلى التحالف باعتباره غطاءً للحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية.
ملف اليورانيوم.. تنازل مشروط لا تسليم كامل
على المستوى النووي، حاولت طهران توظيف الانفتاح الأوروبي عبر تسريب استعدادها لتخفيف نسبة تخصيب 450 كغ من اليورانيوم عالي التخصيب كإشارة حسن نية، لكن دون تسليمه إلى طرف ثالث. المقترح الإيراني كان يتضمن تشكيل كونسورتيوم يضم إيران والولايات المتحدة والسعودية للإشراف على عملية التخفيف، غير أن المشروع تعثر سريعًا. هذه النقطة تُظهر أن طهران تريد تقديم تنازلات محسوبة تمنحها مكاسب سياسية واقتصادية دون المساس بجوهر برنامجها النووي.
الطاقة والحرب في لبنان يوسّعان الشرخ عبر الأطلسي
التقارير الأوروبية الأخيرة عن ارتفاع فاتورة الطاقة بنحو 22 مليار يورو بسبب الأزمة الإقليمية، إلى جانب الخلافات حول الحرب في لبنان ودور إسرائيل فيها، زادت من مساحة التباين بين أوروبا وواشنطن. هذا المناخ يمنح إيران فرصة نادرة لتقديم نفسها كشريك لا غنى عنه في أي صيغة استقرار إقليمي، سواء في الملف النووي أو في ترتيبات أمن الممرات البحرية.
هل تنجح طهران في تفكيك الموقف الغربي؟
السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت إيران قادرة بالفعل على استثمار التباينات الأوروبية الأمريكية لصالحها. بعض مراكز الأبحاث الغربية ترى أن طهران اكتشفت أداة ردع جديدة أكثر فاعلية من السلاح النووي نفسه، تتمثل في قدرتها على التأثير في شريان التجارة العالمي. وإذا نجحت في إدخال أوروبا في إطار تفاوضي مستقل نسبيًا، فقد تجد واشنطن نفسها أمام جبهة غربية أقل تماسكًا، وهو ما يمنح طهران مساحة مناورة أوسع في المرحلة المقبلة.




