هدنة بلا حسم : حين تُعيد الحرب تعريف النصر
في تاريخ الصراعات الكبرى ، قليلاً ما تُحسم الحروب فى لحظة واحدة فاصلة ، وكثيراً ما تنتهى إلى ما يشبه “ تسويات مؤقتة ” تُترك فيها الأسئلة معلقة أكثر مما تُحسم . ما جرى في هذه الجولة من الصراع في الإقليم يبدو أقرب إلى هذا النموذج ؛ هدنة تفرضها الضرورة ، وليست نتيجة يفرضها الانتصار .
اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران وحزب الله من جهة اخرى ، لم يكن تعبيراً عن غلبة طرف على آخر ، بقدر ما كان انعكاساً لضغط ثلاثى معقد ؛ عسكرى لم يحقق حسماً واقتصادى بدأ يثقل الكاهل ، وسياسى يخشى الانزلاق إلى ما هو أبعد من حدود السيطرة ، فى مثل هذه اللحظات لا تتخذ القرارات في ساحات القتال وحدها ، بل فى العواصم التى تحسب كلفة الاستمرار أكثر مما تقيس مكاسب التقدم .
ففى واشنطن ، واجهت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب معضلة قديمة في التاريخ الأمريكى : كيف تدير حرباً بعيدة دون أن تدفع ثمنها فى الداخل ؟ هذا السؤال نفسه طُرح من قبل في حرب فيتنام ، حين اكتشفت الولايات المتحدة أن التفوق العسكرى لا يترجم بالضرورة إلى نصر سياسى ، وأن الرأى العام قد يكون ساحة حاسمة لا تقل أهمية عن ميادين القتال . الفارق أن أدوات الضغط اليوم أسرع ، وتأثير الاقتصاد أكبر ، لكن جوهر المعضلة لم يتغير .
أما في تل أبيب ، فقد بدت الصورة وكأنها إعادة إنتاج لنمط تكرر في تاريخها العسكرى : أهداف كبيرة تُعلن في البداية ثم واقع ميدانى يفرض تخفيض سقف الطموح ، فما حدث يستدعى إلى الأذهان دروس حرب لبنان ٢٠٠٦ ، حين دخلت إسرائيل الحرب بأهداف واسعة ، لكنها خرجت منها بأسئلة أكثر من الإجابات ، الفارق هنا أن عنصر المفاجأة لم يكن حاضراً بذات القوة ، لكن حدود القوة ظهرت بوضوح مماثل .
ومن هنا ، لم يكن مُستغرباً أن تظهر أصوات داخلية ناقدة – مثل افيجدور ليبرمان رئيس حزب اسرائيل بيتنا اليمينى المتطرف – ترى فى الهدنة تراجعاً لا يوازى كلفة المواجهة . فالمجتمعات التي تخوض الحروب على أساس وعود حاسمة ، تجد صعوبة في تقبل نتائج رمادية .
فى طهران ، اتخذت الرواية مساراً مختلفاً تماماً ، لكنه ليس جديداً فى تاريخ الدول التي تواجه ضغوطاً كبرى . ففكرة “ الصمود ” بوصفها نصراً ، لها جذور عميقة ، يمكن استدعاؤها من تجارب مثل الحرب العراقية الإيرانية ، حيث لم يكن الحسم العسكري ممكناً ، لكن الاستمرار ذاته اُعتبر إنجازاً وفى هذه الجولة ، سعت إيران إلى تثبيت معادلة مفادها أن بقاء النظام وقدرته على الرد يعادلان في ميزانها ما فقدته من قدرات وموارد .
غير أن التاريخ يعلمنا أن الصمود – رغم أهميته – ليس معادلاً كاملاً للنصر ، فالكلفة الاقتصادية وتآكل البنية التحتية واستنزاف القدرات والموارد ، كلها عوامل تترك آثاراً طويلة المدى ، قد لا تظهر فى لحظة الهدنة ، لكنها تتكشف مع الزمن .
وهنا تلتقى تجارب مختلفة عند نقطة واحدة : أن تعريف النصر نفسه يصبح موضع إعادة صياغة .
في حرب السادس من اكتوبر ١٩٧٣ ، لم يكن النصر عسكرياً خالصاً ، بل كان كسراً لمعادلة سياسية ونفسية . وفى فيتنام كان الانسحاب الأمريكي اعترافاً بأن الاستمرار لم يعد ممكناً رغم التفوق العسكرى . وبين هذين المثالين ، تتضح حقيقة أن النصر ليس رقماً في بيان عسكرى ، بل نتيجة مركبة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والمعنويات .
في ضوء ذلك ، تبدو هذه الحرب أقرب إلى نموذج “ اللا حسم ” ، فإيران لم تُهزم بالمعنى التقليدى لكنها دفعت كلفة باهظة من ابناء شعبها وقيادات نظامها وبنيتها التحتية ، و إسرائيل لم تحقق أهدافها المعلنة بالكامل رغم تفوقها العسكرى ، و الولايات المتحدة لم تنجح في فرض معادلة مستقرة رغم تدخلها المباشر والعنيف .
إنها حالة تذكرنا بأن الحروب الحديثة خاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط ، لا تنتهى بانتصار واضح ولكنها تتحول إلى حلقات في سلسلة أطول من الصراع حيث تُرحَّل الأزمات من جولة إلى أخرى .
وهكذا ، فإن الهدنة الحالية لا تبدو نهاية بقدر ما هى استراحة في مسار مفتوح ، فالجغرافيا ما زالت كما هى ، و التوازنات لم تُحسم ، والدوافع التي أشعلت الصراع لم تختفى .
وهنا يبقى السؤال ، هل نحن أمام نهاية مرحلة ، أم مجرد فصل جديد في قصة لم تكتب خاتمتها بعد .



