حرب بلا نهاية واضحة.. كيف سقط ترامب داخل “فخ إيــران” بعد آلاف الضحايا وانهيار رهانات الحسم السريع؟

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، يعيش الرئيس الأمــ.ـــ.ـريكي دونالد ترامب واحدة من أكثر لحظاته ارتباكًا منذ عودته إلى البيت الأبيض، بعدما تحولت الحرب ضد إيــران من عملية خاطفة كان يُفترض أن تُجبر طهران على التراجع، إلى أزمة معقدة تهدد الاقتصاد العالمي وتضع واشنطن أمام خيارات شديدة الخطورة. التقرير يرصد التحولات المتناقضة في سياسة ترامب خلال أيام قليلة فقط؛ فمن التهديد بالحرب والتصعيد، إلى إطلاق عملية بحرية في مضيق هرمز، ثم العودة فجأة للحديث عن “اتفاق سلام نهائي” ومفاوضات جديدة بوساطة باكستانية. لكن خلف هذه المناورات السياسية، تكشف الوقائع أن واشنطن اصطدمت بحقائق صلبة؛ فالنظام الإيراني لم ينهَر، ومضيق هرمز ما زال قادرًا على شل الاقتصاد العالمي، كما أن استمرار الحرب بدأ يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي وإنساني هائل. وبينما يتحدث البيت الأبيض عن “اختراق دبلوماسي محتمل”، يرى مراقبون أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف مفتوحة قد تجعلها واحدة من أكثر الصراعات عبثية وكلفة في تاريخ المنطقة الحديث.
ترامب يتنقل بين الحرب والتهدئة بحثًا عن مخرج
التقرير يصف السياسة الأمــ.ـــ.ـريكية خلال الأيام الأخيرة بأنها سلسلة من “الانعطافات الحادة”، حيث بدت الإدارة وكأنها تغيّر اتجاهها يوميًا. ففي بداية الأسبوع، كان ترامب يتحدث عن ضرورة أن “تدفع إيــران ثمنًا أكبر”، ثم أعلن بعد ذلك عملية “الحرية” البحرية لتأمين السفن العالقة في الخليج وتقليص نفوذ طهران في مضيق هرمز، قبل أن يعود فجأة للحديث عن “تقدم كبير” نحو اتفاق سلام شامل.
هذه التحولات تعكس، بحسب التقرير، حالة ارتباك داخل البيت الأبيض نتيجة إدراك الإدارة أن الحرب لم تحقق أهدافها الأساسية. فالرهان على انهيار النظام الإيراني أو استسلامه الكامل لم يتحقق، بينما أظهرت طهران قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة العالمية بصورة أربكت الأسواق والاقتصادات الكبرى.
ويرى مراقبون أن ترامب يحاول الآن إيجاد “مخرج سياسي” يسمح له بإعلان الانتصار دون الغرق في حرب طويلة قد تتحول إلى عبء انتخابي داخلي.
مضيق هرمز.. الورقة التي أربكت واشنطن
أحد أهم أسباب الأزمة الحالية هو نجاح إيــران في استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية. فإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه لم يضر طهران وحدها، بل هزّ الاقتصاد العالمي بأكمله، ورفع أسعار النفط والطاقة بصورة أثارت القلق داخل الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.
التقرير يؤكد أن واشنطن اكتشفت أن أي حصار شامل للخليج سيؤذي الاقتصاد الأمــ.ـــ.ـريكي أيضًا، وهو ما وضع الإدارة داخل “صندوق فولاذي” يصعب الخروج منه بسهولة. لذلك جاءت فكرة “الهدنة المؤقتة” وفتح المجال أمام التفاوض كمحاولة لتخفيف الضغط الاقتصادي والسياسي المتصاعد.
وفي الوقت نفسه، تحاول إيــران استغلال هذه الورقة لفرض شروط أفضل على طاولة التفاوض، خاصة أنها تدرك أن استمرار أزمة هرمز لفترة طويلة قد يهدد استقرار الأسواق العالمية بشكل غير مسبوق.
اتفاق هش.. و30 يومًا قد تحدد مصير المنطقة
بحسب التسريبات الأخيرة، تعمل واشنطن وطهران عبر وساطة باكستانية على مذكرة تفاهم مبدئية تتضمن وقف الحرب وفتح فترة تفاوض تمتد 30 يومًا لمناقشة الملفات الكبرى، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والأصول الإيرانية المجمدة.
الاقتراح يتضمن أيضًا تخفيف الحصار المتبادل في مضيق هرمز تدريجيًا، إلى جانب عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراقبة الأنشطة النووية الإيرانية.
لكن داخل إيــران، لم يلقَ المقترح ترحيبًا واسعًا، إذ وصفه بعض المسؤولين بأنه “قائمة أمنيات أمــ.ـــ.ـريكية” أكثر من كونه اتفاقًا واقعيًا. كما أن الخلافات داخل مراكز القرار الإيرانية قد تعقّد فرص الوصول إلى موقف موحد بشأن المفاوضات.
ويرى محللون أن 30 يومًا فقط تبدو فترة قصيرة للغاية لحل ملفات متشابكة بهذا الحجم، خاصة مع استمرار انعدام الثقة بين الطرفين.
البرنامج النووي يعود إلى قلب الصراع
أحد أكثر الملفات تعقيدًا يتمثل في مستقبل تخصيب اليورانيوم الإيراني. فقبل الحرب، كانت طهران تعرض تجميد التخصيب لعدة سنوات، بينما كانت واشنطن تطالب بفترة أطول بكثير. أما الآن، فتشير التقارير إلى أن المقترح الجديد يتحدث عن تجميد قد يمتد بين 12 و15 عامًا.
كما يتضمن المقترح نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب خارج إيــران، وربما إلى الولايات المتحدة نفسها، وهي نقطة شديدة الحساسية بالنسبة لطهران.
في المقابل، قد تحصل إيــران على تخفيف تدريجي للعقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من أموالها المجمدة، وهو ما كان ترامب نفسه يهاجم الإدارات السابقة بسببه خلال السنوات الماضية.
لكن المشكلة أن أي اتفاق لا يتضمن ملف الصواريخ الإيرانية أو نفوذ طهران الإقليمي سيواجه رفضًا إسرائيليًا واسعًا، ما يهدد بانفجار الخلافات مجددًا.
آلاف الضحايا وثمن إنساني واقتصادي هائل
رغم الحديث عن “مكاسب تفاوضية” محتملة، يشدد التقرير على أن الحرب دفعت ثمنًا إنسانيًا مرعبًا. أكثر من خمسة آلاف شخص لقوا حتفهم حتى الآن، بينهم أطفال ومدنيون سقطوا خلال الضربات الأولى داخل المدن الإيرانية.
كما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تداعيات الحرب قد تدفع أكثر من 30 مليون شخص حول العالم نحو الفقر بسبب اضطراب أسواق الطاقة والأسمدة وارتفاع تكاليف المعيشة عالميًا.
التقرير يلفت أيضًا إلى أن الأموال التي أُنفقت على الحرب كان يمكن أن تُستخدم لإنقاذ ملايين البشر عبر المساعدات الإنسانية، ما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول جدوى هذا الصراع من الأساس.
هل أصبحت الحرب “الأكثر عبثية” في المنطقة؟
الجارديان ترى أن السؤال الأهم لم يعد فقط: هل ستنجح المفاوضات؟ بل: هل كان يمكن الوصول إلى هذه التفاهمات دون كل هذا الدمار؟
فالكثير من البنود المطروحة اليوم كانت موجودة أصلًا قبل اندلاع الحرب، لكن التصعيد العسكري أدى إلى سقوط آلاف الضحايا وتوسيع دائرة الكراهية والتشدد داخل إيــران والمنطقة.
كما أن الضربات العسكرية، بدلًا من إضعاف النظام الإيراني، يبدو أنها عززت نفوذ التيار العسكري والمتشددين داخل الدولة، ما قد يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة.
وفي حال نجحت المفاوضات الحالية، فقد يعلن ترامب “النصر السياسي”، لكن التاريخ قد يتذكر هذه الحرب باعتبارها واحدة من أكثر الحروب تكلفة وعبثية مقارنة بما انتهت إليه من نتائج.



