حكومة الكبار تنهار في بريطانيا.. هل أصبح سقوط ستارمر مسألة وقت بعد انقلاب الشارع وحزب العمال؟

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، تواجه حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر واحدة من أخطر لحظاتها السياسية منذ وصولها إلى السلطة، وسط توقعات بخسائر انتخابية قاسية وتصاعد الغضب داخل الحزب نفسه. التقرير يرصد كيف تحولت صورة “السياسي الهادئ والعاقل” التي اعتمد عليها ستارمر للوصول إلى الحكم إلى عبء سياسي ثقيل، بعدما اكتشف الناخب البريطاني أن الشعارات المتعلقة بـ”الاستقرار” و”حكم الكبار” لم تُترجم إلى حلول حقيقية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. ومع تراجع شعبية الحكومة وظهور دعوات داخلية للتخلص من ستارمر، تبدو بريطانيا أمام مشهد سياسي مرتبك قد يعيد رسم خريطة السلطة بالكامل، خصوصًا مع صعود اليمين الشعبوي والخضر والأحزاب القومية على حساب الحزبين التقليديين.
كيف وصل كير ستارمر إلى الحكم بشعار “الرجل العاقل”؟
منذ انتخابات 2024، حاول كير ستارمر تقديم نفسه بوصفه النقيض الكامل للفوضى السياسية التي عاشتها بريطانيا خلال سنوات المحافظين الأخيرة. حزب العمال ركّز حينها على فكرة “عودة الكبار إلى الغرفة”، في إشارة إلى أن البلاد تحتاج إلى إدارة هادئة ومستقرة أكثر من حاجتها إلى الوعود الثورية أو التغييرات الجذرية.
هذه الاستراتيجية ساعدت ستارمر على طمأنة رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية ووسائل الإعلام اليمينية، بعدما تخلّى تدريجيًا عن كثير من تعهدات الحزب السابقة، خصوصًا الملفات الاقتصادية والبيئية. لكن المشكلة أن هذا الخطاب اعتمد بدرجة كبيرة على الصورة والانطباع أكثر من اعتماده على مشروع سياسي واضح قادر على إقناع الشارع البريطاني.
ومع مرور الوقت، بدأ كثير من الناخبين يشعرون أن الحكومة تتحدث بلغة إدارية باردة بينما تتفاقم الأزمات الحقيقية المتعلقة بالمعيشة والطاقة والخدمات العامة.
لماذا بدأ حزب العمال يفقد شعبيته بهذه السرعة؟
التقرير يرى أن الأزمة الأساسية لا تتعلق فقط بالأداء الحكومي، بل بفقدان “الرؤية السياسية”. فحكومة ستارمر وصلت إلى السلطة وهي تحاول تجنب الصدام مع المؤسسات المالية والنخب الاقتصادية، ما جعلها عاجزة عن تقديم تغييرات حقيقية يشعر بها المواطن العادي.
كما أن الحكومة بنت برنامجها بالكامل على فرضية أن النظام الاقتصادي البريطاني سيعود للعمل بشكل طبيعي، وأن الاستثمارات الأجنبية ستتدفق مجددًا، وأن الاقتصاد سيستعيد قوته بسرعة. لكن الواقع جاء مختلفًا؛ النمو الاقتصادي بقي ضعيفًا، والخدمات العامة واصلت التراجع، فيما استمرت الضغوط المعيشية على المواطنين.
هذا الفشل فتح الباب أمام الناخبين للبحث عن بدائل سياسية أخرى، سواء عبر الأحزاب القومية أو الخضر أو حتى اليمين الشعبوي الذي بدأ يستفيد من حالة الغضب العام.
“سياسة الكبار”.. مصطلح للنخبة أكثر منه للناس
الكاتب يوجه انتقادًا حادًا لفكرة “حكم الكبار” التي أصبحت شعارًا متكررًا في السياسة البريطانية والأوروبية. فبحسب التقرير، هذا التعبير لا يعني النضج السياسي بقدر ما يعني رفض أي تغيير جذري أو أي مواجهة حقيقية مع أصحاب النفوذ والثروة.
ويشير التقرير إلى أن السياسي الذي يُوصف بأنه “عاقل” أو “مسؤول” هو غالبًا ذلك الذي لا يتحدث كثيرًا عن العدالة الاجتماعية أو إعادة توزيع الثروة أو تغيير قواعد الاقتصاد. بينما يتم تصوير الشخصيات الأكثر صدامية أو شعبية على أنها “غير ناضجة” سياسيًا، حتى لو كانت تعبّر عن غضب حقيقي داخل المجتمع.
هذه المعادلة، بحسب الجارديان، ساهمت في خلق فجوة ضخمة بين الطبقة السياسية التقليدية والشارع البريطاني، وهو ما يفسر تراجع الثقة في الأحزاب الكبرى خلال السنوات الأخيرة.
هل يواجه ستارمر انقلابًا داخل حزبه؟
مع اقتراب الانتخابات المحلية، تتزايد المخاوف داخل حزب العمال من حدوث انهيار انتخابي كبير قد يدفع النواب إلى التحرك ضد ستارمر. بعض التقارير بدأت تتحدث بالفعل عن أسماء بديلة يمكن أن تخلفه إذا تعرض الحزب لهزيمة قاسية.
لكن المشكلة الأكبر أن أي بديل محتمل سيواجه المأزق نفسه؛ فالحكومة الحالية لا تمتلك تفويضًا انتخابيًا واسعًا يسمح بإجراء تغييرات جذرية، لأن برنامجها الانتخابي كان محدودًا ومبنيًا على الحذر الشديد.
كما أن خصوم حزب العمال، خاصة نايجل فاراج وكيمي بادينوك، سيحاولون استغلال أي صراع داخلي لتأكيد فكرة أن الحزب لا يمتلك مشروعًا حقيقيًا للحكم، بل مجرد إدارة مؤقتة للأزمات.
صعود الأحزاب الصغيرة يهدد النظام السياسي التقليدي
أحد أخطر ما يكشفه التقرير هو تآكل هيمنة الحزبين التقليديين في بريطانيا. فحتى الفوز الكبير الذي حققه العمال في 2024 لم يكن يعكس حماسًا شعبيًا واسعًا، بل كان نتيجة غضب من المحافظين أكثر منه تأييدًا حقيقيًا لستارمر.
الآن بدأت أحزاب مثل “ريفورم” والخضر والقوميين في جذب شرائح من الناخبين عبر خطاب أكثر وضوحًا بشأن الأزمات اليومية، سواء المتعلقة بالاقتصاد أو الهجرة أو انهيار الخدمات.
هذا التحول يشير إلى أن بريطانيا قد تدخل مرحلة سياسية جديدة تتراجع فيها سيطرة الحزبين الكبيرين، وهو ما قد يؤدي إلى حكومات أضعف وتحالفات أكثر تعقيدًا خلال السنوات المقبلة.
بريطانيا أمام أزمة ثقة سياسية عميقة
التقرير يخلص إلى أن الأزمة الحالية لا تخص كير ستارمر وحده، بل تعكس مشكلة أوسع داخل النظام السياسي البريطاني. فبعد سنوات من الأزمات المتتالية، من الأزمة المالية إلى “بريكست” ثم الجائحة، أصبح الناخب البريطاني أقل اقتناعًا بالشعارات التقليدية المتعلقة بـ”الاستقرار” و”الإدارة الحكيمة”.
كما أن الطبقة السياسية تبدو عاجزة عن تقديم مشروع اقتصادي واجتماعي جديد يعيد الثقة للناس، ما يفتح الباب أمام مزيد من الغضب الشعبي والتقلبات السياسية.
وفي حال استمرت حكومة العمال في فقدان الدعم الشعبي، فقد تجد بريطانيا نفسها أمام مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تصبح الإطاحة برئيس الوزراء أو تغيير الحكومات أمرًا متكررًا، في مشهد يشبه الأزمات السياسية التي كانت تُوصف سابقًا بأنها تخص دولًا أخرى فقط.



