وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تكشف المعارك المتواصلة بين إســـ.ـ.ـرائيل وحزب الله أن الجماعة اللبنانية لم تُهزم بالكامل كما أعلنت تل أبيب بعد حرب 2024، بل تمكنت خلال الشهور الماضية من إعادة تنظيم صفوفها وتطوير تكتيكات جديدة مكنتها من العودة إلى ساحة القتال بأسلوب حرب عصابات واستنزاف طويل الأمد. ورغم الخسائر الضخمة التي تعرض لها الحزب، من اغتيال قياداته إلى تدمير جزء كبير من ترسانته الصاروخية، فإن التطورات الأخيرة على الحدود اللبنانية تشير إلى أن المواجهة لم تنتهِ، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة.
التقرير يوضح أن المواجهة الحالية تحولت إلى حرب يومية منخفضة الحدة لكنها مرهقة للطرفين، حيث تستهدف الطائرات المسيّرة الانتحارية التابعة للحزب القوات الإسرائيلية داخل ما يسمى “المنطقة الأمنية” جنوب لبنان، بينما تواصل إســـ.ـ.ـرائيل الغارات الجوية والعمليات البرية لتدمير ما تبقى من البنية العسكرية للحزب. لكن النتيجة، بحسب مراقبين، أن تل أبيب وجدت نفسها أمام خصم أضعف من السابق لكنه لا يزال قادرًا على القتال والتكيف.
إســـ.ـ.ـرائيل أعلنت النصر مبكرًا
بعد انتهاء حرب 2024، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حـ.ــ.ـزب الله “سُحق” وأن تهديده على شمال إســـ.ـ.ـرائيل انتهى. لكن بعد أقل من عامين، عاد الحزب ليشن هجمات متكررة عبر الحدود، مستخدمًا تكتيكات مختلفة تعتمد على حرب العصابات والطائرات المسيّرة والضربات السريعة.
حتى بعض القيادات العسكرية الإسرائيلية اعترفت بأن تقديراتها السابقة كانت خاطئة. الجنرال رافي ميلو، قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، أقر في محادثة مسربة بأن هناك فجوة بين ما اعتقدته القيادة العسكرية بعد الحرب وما تكتشفه الآن على الأرض، قائلاً إنهم “ما زالوا يجدون حـ.ــ.ـزب الله” رغم كل العمليات العسكرية السابقة.

الطائرات الانتحارية تغيّر قواعد المواجهة
أحد أبرز التحولات في تكتيكات الحزب يتمثل في الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة الانتحارية، خصوصًا طائرات “FPV” التي تُدار بمنظور الشخص الأول، وهي نفس التقنية المستخدمة بكثافة في الحرب الأوكرانية.
التقرير يشير إلى أن الحزب زاد خلال العام الماضي من إنتاج هذه المسيّرات محليًا، تحسبًا لمواجهة طويلة مع إســـ.ـ.ـرائيل. كما استخدم أنواعًا تعمل عبر كابلات ألياف بصرية لتجاوز أنظمة التشويش الإلكتروني الإسرائيلية، ما سمح له بتنفيذ هجمات دقيقة ضد الجنود والآليات العسكرية داخل جنوب لبنان.
وفي الأسابيع الأخيرة، تحولت مقاطع استهداف الجنود والمركبات الإسرائيلية إلى جزء أساسي من الدعاية الإعلامية للحزب، حيث نشر عشرات الفيديوهات التي توثق هجمات بطائرات مسيّرة صغيرة على مواقع إسرائيلية.

الحزب عاد إلى “حرب العصابات”
بحسب مصادر أمنية إسرائيلية ولبنانية، أعاد حـ.ــ.ـزب الله بناء نفسه خلال فترة الهدوء النسبي التي أعقبت حرب 2024، مستفيدًا من أخطاء التقدير الإسرائيلية. الحزب تخلّى عن كثير من وسائل الاتصال الإلكترونية بعد اختراقات استخباراتية إسرائيلية، وعاد للاعتماد على الرسل البشريين وشبكات خلايا صغيرة مستقلة.
كما أن خطوط تهريب السلاح أصبحت أكثر تنوعًا وغموضًا، مع وصول أسلحة عبر مسارات غير متوقعة، بعضها من داخل سوريا بعد التغيرات السياسية والعسكرية الأخيرة هناك. هذه الاستراتيجية سمحت للحزب بإعادة تشكيل بنيته الميدانية بشكل يصعب استهدافه بالكامل.
إيران عززت نفوذها داخل الحزب
التقرير يكشف أيضًا أن إيران لعبت دورًا أكبر داخل الحزب بعد الحرب الأخيرة، خاصة بعد مقتل أو إصابة أعداد كبيرة من كوادره وقياداته العسكرية. ضباط من الحرس الثوري الإيراني شاركوا بشكل أوسع في إدارة بعض الوحدات والقدرات الصاروخية، إلى حين إعادة ترميم البنية القيادية للحزب.
ويرى مسؤولون إسرائيليون أن طهران شددت قبضتها على منظومة الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة للحزب خلال العامين الماضيين، ما جعل المواجهة الحالية أكثر ارتباطًا بالصراع الإقليمي الأوسع بين إيران وإســـ.ـ.ـرائيل.

رغم ذلك.. الحزب لم يعد كما كان
ورغم قدرة الحزب على العودة إلى القتال، فإن التقرير يؤكد أنه تعرض لخسائر هائلة خلال حرب 2024. عملية “Grim Beeper” الشهيرة، التي فجّرت أجهزة اتصال إلكترونية داخل صفوف الحزب، تسببت في مقتل وإصابة مئات العناصر. كما اغتيل الأمين العام السابق حسن نصر الله وعدد من كبار القادة العسكريين.
إضافة إلى ذلك، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الحزب فقد نحو 90% من ترسانته الصاروخية الثقيلة، ولم يتبقَّ لديه سوى نسبة محدودة من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى. كما أن معدل إطلاق الصواريخ الحالي لا يزال أقل بكثير من قدراته قبل الحرب.
إســـ.ـ.ـرائيل تواجه “مستنقعًا” جديدًا
رغم التفوق العسكري الإسرائيلي، بدأت تظهر داخل إســـ.ـ.ـرائيل مخاوف من تحول الجنوب اللبناني إلى “منطقة استنزاف” طويلة الأمد، تشبه تجارب سابقة عاشتها تل أبيب في لبنان وغزة.
فالقوات الإسرائيلية تسيطر حاليًا على نحو 5% من الأراضي اللبنانية، لكنها تواجه هجمات يومية بطائرات مسيّرة وكمائن وصواريخ قصيرة المدى. كما أن استمرار الحرب أدى إلى تهجير واسع في جنوب لبنان وتعطيل الحياة في شمال إســـ.ـ.ـرائيل، دون تحقيق “النصر الحاسم” الذي وُعد به السكان.
حتى نتنياهو نفسه اعترف مؤخرًا بأن “المهمة لم تنتهِ بعد”، وأن القضاء الكامل على حـ.ــ.ـزب الله أو نزع سلاحه سيحتاج إلى وقت طويل.
ماذا يعني هذا للمنطقة؟
التطورات الأخيرة تؤكد أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بتدمير الترسانة العسكرية، بل بقدرة الأطراف على التكيف وإعادة بناء نفسها بسرعة. فرغم الضربات القاسية التي تعرض لها حـ.ــ.ـزب الله، فإن الجماعة ما زالت قادرة على فرض معادلة استنزاف تُربك إســـ.ـ.ـرائيل وتمنعها من تحقيق استقرار كامل على حدودها الشمالية.
كما أن استمرار القتال يعكس فشل الحلول العسكرية وحدها في إنهاء الصراعات المعقدة بالشرق الأوسط، خاصة في ظل الترابط بين الساحات اللبنانية والإيرانية والفلسطينية. لذلك، فإن السيناريو الأقرب حاليًا هو استمرار حرب الاستنزاف المحدودة، مع بقاء خطر التصعيد الشامل قائمًا في أي لحظة.



