الجيش الأمــ.ـــ.ـريكي يستعد لحروب الاستنزاف.. نظام مدفعي جديد في صحراء أريزونا لرفع إنتاج قذائف 155 إلى 100 ألف شهريًا
وفقًا لتقرير نشره موقع Army Recognition، بدأ الجيش الأمــ.ـــ.ـريكي تشغيل نظام جديد لاختبار المدفعية الثقيلة في مركز يوما للاختبارات بولاية أريزونا، في خطوة تعكس استعداد واشنطن لحروب طويلة تعتمد على الاستهلاك الكثيف للذخائر، وعلى رأسها قذائف المدفعية عيار 155 ملم التي أصبحت العمود الفقري للمعارك الحديثة، خاصة بعد الحرب الأوكرانية.
النظام الجديد، المعروف باسم “Proof Gun System”، يمنح الجيش منصة ثابتة ومتخصصة لاختبار قذائف المدفعية بسرعة وكفاءة أعلى، دون الحاجة إلى استخدام مدافع هاوتزر كاملة أو تحريك منظومات قتالية ضخمة إلى ميادين الاختبار. ويأتي المشروع ضمن خطة أمريكية ضخمة لرفع إنتاج قذائف 155 ملم إلى 100 ألف قذيفة شهريًا، وهو رقم يعكس حجم القلق داخل البنتاجون من استنزاف المخزونات العسكرية بوتيرة غير مسبوقة.
ما هو “Proof Gun System” ولماذا يثير الاهتمام؟
النظام الجديد عبارة عن منصة اختبار مدفعية ثابتة صُممت خصيصًا لتبديل سبطانات المدافع بسرعة، دون الحاجة إلى استخدام هيكل مدفع كامل مثل منظومات “M777” أو “M109”. الفكرة الأساسية تقوم على تقليل الوقت والتكلفة والجهد المطلوب لاختبار الذخائر، عبر التركيز فقط على السبطانة والذخيرة نفسها.
وبحسب المسؤولين الأمريكيين، فإن النظام لا يعتمد على إلكترونيات معقدة، بل على أنظمة هيدروليكية وميكانيكية بسيطة قادرة على تحمل الظروف القاسية في صحراء أريزونا لعقود طويلة. كما جرى تصميمه ليعمل لمدة تتراوح بين 30 و50 عامًا، ما يعني أنه ليس مشروعًا مؤقتًا، بل جزء من بنية عسكرية استراتيجية طويلة المدى.
لماذا أصبح عيار 155 ملم أولوية أمريكية؟
الحرب في أوكرانيا غيّرت الحسابات العسكرية الغربية بشكل جذري، بعدما أظهرت أن استهلاك الذخائر المدفعية في الحروب الحديثة أكبر بكثير من التقديرات السابقة. القوات الأوكرانية والروسية استخدمت مئات الآلاف من القذائف خلال فترات قصيرة، ما أدى إلى استنزاف المخزونات الغربية بسرعة.
لهذا السبب، تسعى واشنطن إلى رفع قدرتها الإنتاجية واختبار الذخائر بوتيرة أسرع، حتى تتمكن من تعويض النقص والاستعداد لأي مواجهة مستقبلية واسعة النطاق، سواء في أوروبا أو آسيا أو الشرق الأوسط.
بنية ضخمة لتحمل قوة المدافع
تركيب النظام الجديد لم يكن مهمة بسيطة، إذ احتاج الجيش إلى إنشاء قاعدة خرسانية عملاقة قادرة على امتصاص قوة الارتداد الناتجة عن إطلاق القذائف الثقيلة بشكل متكرر.
ووفق التقرير، فإن القاعدة الخرسانية بُنيت بعمق يصل إلى سبعة أقدام، مدعومة بشبكات حديدية وأقفاص معدنية ضخمة لتثبيت المنصة بشكل كامل. كما استخدمت فرق العمل معدات خاصة لشد البراغي بقوة هائلة تصل إلى 3100 رطل-قدم، ما يعكس حجم الضغوط الميكانيكية الناتجة عن إطلاق المدفعية الثقيلة.
وخلال الاختبارات الأولى، أطلق النظام قذائف بزوايا مختلفة وباستخدام شحنات دفع قوية للغاية لضمان تحمل المنصة أقصى درجات الصدمة والارتداد.
تقليل التكاليف وتسريع الاختبارات
قبل تشغيل هذا النظام، كانت اختبارات المدفعية تتطلب نقل منظومات كاملة مثل مدافع “M777A2” أو “M109A6” إلى الميدان، مع الحاجة إلى صيانة وتشغيل كل مكونات السلاح طوال فترة الاختبار.
أما الآن، فيكفي تركيب السبطانة المطلوبة على المنصة الجديدة وإجراء الاختبار مباشرة، ما يقلل بشكل كبير من التكاليف والجهد اللوجستي. هذه السرعة ستكون حاسمة إذا أرادت الولايات المتحدة الوصول إلى هدفها المعلن بإنتاج عشرات الآلاف من القذائف شهريًا.
البنتاجون يستعد لحروب طويلة الأمد
الاستثمار في بنية اختبار تدوم نصف قرن يكشف أن الجيش الأمــ.ـــ.ـريكي لا يتعامل مع أزمة الذخائر الحالية كمسألة مؤقتة، بل كتحول دائم في طبيعة الحروب الحديثة. فالحروب القادمة، بحسب الدروس المستخلصة من أوكرانيا، ستكون حروب استنزاف تعتمد على كثافة النيران والإنتاج الصناعي العسكري المستمر، وليس فقط على التكنولوجيا المتطورة أو الضربات السريعة.
ولهذا، فإن واشنطن لم تعد تركز فقط على تطوير الأسلحة، بل أيضًا على بناء “اقتصاد حرب” قادر على إنتاج واختبار الذخائر بكميات هائلة ولسنوات طويلة إذا لزم الأمر.
رسالة غير مباشرة إلى روسيا والصين
رغم أن المشروع يُقدَّم رسميًا على أنه تطوير تقني، فإن توقيته يحمل رسائل استراتيجية واضحة إلى روسيا والصين. فالولايات المتحدة تريد إثبات قدرتها على الحفاظ على وتيرة إنتاج عسكري ضخمة، حتى في حال اندلاع صراعات طويلة تستنزف الموارد.
كما أن تعزيز قدرة اختبار الذخائر يعني أن واشنطن تسعى إلى تقليص أي اختناقات في سلسلة الإنتاج العسكري، وهي مشكلة ظهرت بوضوح خلال دعم أوكرانيا، عندما واجه الغرب صعوبة في تعويض القذائف المستهلكة بسرعة كافية.

ماذا يعني هذا للعالم؟
التحرك الأمريكي يعكس دخول العالم مرحلة جديدة من سباق التسلح الصناعي، حيث لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل أيضًا بقدرة الدول على إنتاج الذخائر بكميات هائلة وبسرعة مستمرة.
كما يكشف أن البنتاجون يتوقع استمرار الحروب عالية الكثافة خلال السنوات المقبلة، سواء بشكل مباشر أو عبر حروب بالوكالة. لذلك، فإن بناء بنية تحتية ضخمة لاختبار المدفعية لعقود قادمة يعني أن واشنطن تستعد لعصر طويل من المواجهات العسكرية العالمية، وليس مجرد أزمة عابرة.



