تحقيق صادم يكشف أزمة جديدة في أمريكا.. إدارة ترامب اعتقلت آباء 27 ألف طفل خلال 7 أشهر
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، كشفت سجلات حكومية حصلت عليها الصحيفة عبر دعوى حرية معلومات عن واحدة من أكبر أزمات فصل العائلات في تاريخ سياسات الهجرة الأمريكية الحديثة، بعدما أظهرت البيانات أن إدارة الرئيس دونالد ترامب اعتقلت آباء وأمهات ما لا يقل عن 27 ألف طفل خلال أول سبعة أشهر من عام 2025. التقرير يرسم صورة قاسية لعائلات تمزقت فجأة بسبب حملات الترحيل الجماعي، حيث وُضع آباء في مراكز احتجاز بعيدة آلاف الكيلومترات عن أطفالهم، بينما تُرك أطفال آخرون في رعاية أقارب أو مهددين بدخول نظام الرعاية البديلة. الأخطر أن آلاف هؤلاء الأطفال يحملون الجنسية الأمريكية، ما خلق أزمات قانونية وإنسانية معقدة عندما يكون الوالدان من جنسية مختلفة أو عندما يُرحل أحدهما إلى بلد لا يستطيع الطفل الذهاب إليه. وبينما تنفي وزارة الأمن الداخلي الأمريكية ممارسة فصل ممنهج للعائلات، يرى محامون ومدافعون عن حقوق المهاجرين أن ما يحدث الآن يتجاوز في حجمه أزمة “عدم التسامح” التي فجرت غضبًا واسعًا خلال ولاية ترامب الأولى.
أرقام تكشف حجم الأزمة الإنسانية
تحليل الجارديان لسجلات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية أظهر أن الإدارة اعتقلت خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2025 نحو 18,400 أب وأم، بينهم حوالي 15 ألف أب و3 آلاف أم. هؤلاء يمثلون آباء وأمهات لما بين 27 ألفًا و32 ألف طفل. كما تكشف البيانات أن السلطات اعتقلت آباء ما لا يقل عن 12 ألف طفل يحملون الجنسية الأمريكية، وهو ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية والإنسانية. فالأطفال الأمريكيون لا يمكن إجبارهم ببساطة على مغادرة البلاد، وفي الوقت نفسه قد يُرحّل آباؤهم إلى دول أخرى، ما يفتح الباب أمام انفصال طويل وربما دائم داخل الأسرة الواحدة.

عائلات ممزقة بين الاحتجاز والترحيل
التقرير عرض قصصًا مؤلمة لأمهات وآباء وجدوا أنفسهم فجأة بعيدين عن أطفالهم بعد توقيفهم في مواعيد مراجعة روتينية أو حملات ميدانية. إحدى الحالات كانت لطالبة لجوء من هايتي احتُجزت في تكساس على بعد نحو 2400 كيلومتر من طفلتها الرضيعة في فلوريدا، رغم أن الطفلة كانت تحتاج إلى الرضاعة الطبيعية بسبب حساسية شديدة من الحليب الصناعي. طلبت الأم السماح لها بإرسال حليبها أو إدخال طفلتها إلى مركز الاحتجاز، لكن الطلبين رُفضا. هذه القصة تختصر طبيعة الأزمة: قرارات إدارية تتحول إلى صدمة نفسية وجسدية لأطفال لا ذنب لهم في ملفات الهجرة أو النزاعات القانونية.
أزمة أكبر من سياسة الفصل القديمة
خلال ولاية ترامب الأولى، أثارت سياسة “عدم التسامح” غضبًا واسعًا بعدما فصلت السلطات أكثر من 5500 طفل عن آبائهم على الحدود. لكن المدافعين عن حقوق المهاجرين يقولون إن الأزمة الحالية أخطر لأنها أكثر انتشارًا وأقل وضوحًا للرأي العام. فبدل مشاهد الأطفال في الأقفاص على الحدود، يحدث الفصل الآن داخل المدن والولايات، في مواعيد مراجعة الهجرة، ومداهمات أماكن العمل، وعمليات الترحيل السريعة. لذلك تبدو الأزمة أقل صدمة بصريًا، لكنها أوسع نطاقًا وأكثر تعقيدًا، لأن الأطفال قد يُتركون مع أقارب غير موثقين، أو أشقاء أكبر سنًا، أو دون خطة واضحة للرعاية.

الآثار النفسية قد تمتد لأجيال
محامون ومنظمات حقوقية حذروا من أن هذه السياسات ستترك آثارًا نفسية عميقة على الأطفال والعائلات لسنوات طويلة. الأطفال الذين يفقدون أحد الوالدين فجأة قد يعانون من اضطرابات النوم، القلق، تدهور الأداء الدراسي، أو الاضطرار إلى العمل مبكرًا لمساعدة الأسرة. بعض المراهقين، بحسب التقرير، فكروا في ترك المدرسة لدعم أشقائهم بعد احتجاز أو ترحيل الوالدين. هذه ليست فقط أزمة هجرة، بل أزمة اجتماعية ممتدة قد تنتج جيلًا كاملًا من الأطفال الذين نشأوا تحت ضغط الخوف من طرق الباب أو اختفاء أحد الوالدين دون وداع.
ماذا يعني هذا سياسيًا داخل أمريكا؟
التقرير يضع إدارة ترامب في مواجهة انتقادات جديدة بشأن كلفة سياسة الترحيل الجماعي، خصوصًا أن أغلب المحتجزين، بحسب ما أشار إليه التقرير، لا يملكون سجلات جنائية خطيرة أو لديهم مخالفات بسيطة فقط. سياسيًا، قد تعزز هذه الأرقام الانقسام الأمريكي حول الهجرة بين من يرى الحملة تنفيذًا صارمًا للقانون، ومن يعتبرها عقابًا جماعيًا للأسر والأطفال. كما أن وجود آلاف الأطفال الأمريكيين داخل هذه الأزمة يجعل الملف أكثر حساسية، لأنه لا يتعلق فقط بالمهاجرين غير النظاميين، بل بأطفال مواطنين أمريكيين يدفعون ثمن قرارات تستهدف آباءهم.
السيناريو المتوقع.. أزمة مفتوحة بلا حل سريع
إذا استمرت حملات الترحيل بالمعدل نفسه، فمن المتوقع أن تتسع الأزمة خلال الشهور المقبلة، مع زيادة عدد الأطفال الذين يعيشون بعيدًا عن آبائهم أو يواجهون خطر فقدان الرعاية المستقرة. كما أن لمّ شمل العائلات بعد الترحيل قد يكون بالغ الصعوبة بسبب حظر العودة لسنوات، أو غياب الوثائق، أو رفض دول ثالثة استقبال الأطفال. السيناريو الأخطر هو تحول الفصل الأسري من أزمة استثنائية إلى واقع يومي في الولايات المتحدة، بحيث يصبح آلاف الأطفال جزءًا من منظومة قانونية لا تملك حلولًا إنسانية واضحة، بينما تبقى العائلات عالقة بين الخوف والترحيل والانتظار.



