حرب ترامب تمنح الصين فرصة ذهبية.. بكين تستغل فوضى الشرق الأوسط لتوسيع نفوذها الاقتصادي عالمياً

وفقاً لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية
بدأت الصين في تحويل الحرب التي أشعلتها أمــ.ـ.ـريكاوإســ.ـ.ـرائيل ضد إيــ.ـ.ـران إلى فرصة استراتيجية ضخمة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي حول العالم، في تطور قد يعيد رسم موازين القوى الدولية خلال السنوات المقبلة. فبينما كانت إدارة دونالد ترامب تعتقد أن الضغط على إيــ.ـ.ـران سيؤدي إلى خنق الاقتصاد الصيني المعتمد على نفط الشرق الأوسط، تكشف المؤشرات الحالية أن بكين استطاعت امتصاص الصدمة بسرعة، بل وخرجت بمكاسب غير متوقعة شملت الطاقة والتكنولوجيا والعملات والنفوذ الجيوسياسي. ومع تصاعد الاضطرابات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالمياً، تتحرك الصين بهدوء لاستغلال حالة الفوضى وتقديم نفسها كشريك اقتصادي أكثر استقراراً وموثوقية مقارنة بواشنطن.
الصين تستفيد من أزمة الطاقة العالمية
ارتفاع أسعار النفط واضطراب الإمدادات دفع كثيراً من الدول إلى تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، وهو ما يصب مباشرة في مصلحة بكين. الصين تسيطر حالياً على الجزء الأكبر من سلاسل إنتاج التكنولوجيا الخضراء حول العالم، بما يشمل الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية. ومنذ اندلاع الحرب، شهدت صادرات الشركات الصينية المرتبطة بالطاقة النظيفة ارتفاعاً ملحوظاً، ما منح الاقتصاد الصيني دفعة قوية في وقت تعاني فيه اقتصادات غربية من التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة.
ترامب يدفع الحلفاء بعيداً عن واشنطن
التقرير يشير إلى أن السياسات الخارجية المتقلبة لترامب بدأت تؤثر سلباً على صورة أمــ.ـ.ـريكا لدى الحلفاء التقليديين، بينما تستفيد الصين من هذا الفراغ لتوسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية. استطلاعات الرأي الدولية أظهرت أن صورة الصين عالمياً أصبحت أفضل نسبياً من صورة الولايات المتحدة منذ فرض ترامب الرسوم الجمركية الواسعة عام 2025. بكين استغلت هذا التحول عبر تقديم نفسها كشريك مستقر يمكن الاعتماد عليه في التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد العالمية.
اليوان الصيني يقترب من لحظة تاريخية
واحدة من أهم النتائج غير المباشرة للحرب هي التوسع التدريجي في استخدام العملة الصينية “اليوان” داخل التجارة الدولية. فمع تصاعد العقوبات الأمــ.ـ.ـريكية والتقلبات المرتبطة بالدولار، بدأت بعض الدول والشركات تبحث عن بدائل مالية أكثر أماناً. التقارير تحدثت عن أن إيــ.ـ.ـران سمحت بمرور بعض السفن مقابل رسوم تُدفع باليوان أو العملات الرقمية، في مؤشر على تراجع الهيمنة المطلقة للدولار داخل بعض المناطق الحساسة اقتصادياً.
الصين تتحول إلى “منقذ اقتصادي” للدول المتضررة
بكين تمتلك مخزونات ضخمة من المواد الخام والوقود والأسمدة، ما يمنحها قدرة على لعب دور “المورد الأخير” للدول التي تعاني من نقص الإمدادات بسبب الحرب. كما أن الشركات الصينية المتخصصة بالبنية التحتية والطاقة قد تصبح لاعباً رئيسياً في إعادة إعمار المنشآت والموانئ المتضررة في الشرق الأوسط مستقبلاً، وهو ما يفتح أمام الصين أسواقاً واستثمارات بمليارات الدولارات.
لكن بكين ليست في مأمن كامل
رغم المكاسب الحالية، يحذر التقرير من أن استمرار الفوضى في الشرق الأوسط قد يضر الاقتصاد الصيني أيضاً على المدى الطويل، خصوصاً إذا تراجعت معدلات الطلب العالمي أو ارتفعت تكاليف التجارة والشحن بشكل أكبر. كما أن القلق الأمني داخل أوروبا وأمــ.ـ.ـريكا قد يؤدي إلى فرض قيود إضافية على التكنولوجيا والصادرات الصينية، خاصة في القطاعات الحساسة مثل البطاريات والطاقة النظيفة.
الحرب تعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي
ما يحدث حالياً يعكس تحولات أعمق داخل الاقتصاد والسياسة العالميين. فالحرب في الشرق الأوسط لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل أصبحت ساحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى. وبينما تنشغل واشنطن بالحروب والعقوبات والتصعيد العسكري، تتحرك الصين لاستغلال اللحظة وبناء نفوذ اقتصادي طويل المدى يعتمد على التجارة والطاقة والبنية التحتية والعملات البديلة.
هل ترتكب واشنطن خطأً استراتيجياً؟
منتقدو ترامب يرون أن الحرب الحالية قد تتحول إلى هدية استراتيجية للصين، لأنها تمنح بكين فرصة لتوسيع نفوذها العالمي دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. فكلما ازدادت الفوضى والتوترات التي تقودها أمــ.ـ.ـريكا، ازدادت قدرة الصين على تقديم نفسها كقوة أكثر هدوءاً واستقراراً. ولهذا يرى مراقبون أن المعركة الحقيقية بين واشنطن وبكين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة نفوذ اقتصادي عالمي طويل الأمد.



