ترامب يطرق أبواب بكين بعمالقة التكنولوجيا.. وواشنطن تقلد الصين سرًا في معركة الذكاء الاصطناعي
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، يتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين هذا الأسبوع في زيارة تحمل أبعادًا تتجاوز الملفات التجارية التقليدية، حيث يصطحب معه نخبة من كبار قادة التكنولوجيا الأمريكيين في خطوة تعكس تصاعد أهمية الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات في الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وبكين. وبينما يحاول ترامب تسويق “تفوق التكنولوجيا الأمريكية” أمام الرئيس الصيني شي جين بينغ، تكشف التطورات الأخيرة أن الإدارة الأمريكية بدأت في الوقت نفسه تبني سياسات رقابية على شركات الذكاء الاصطناعي تشبه إلى حد كبير النهج الصيني الصارم الذي طالما انتقدته واشنطن. الزيارة تأتي أيضًا في توقيت حساس للغاية، وسط استمرار تداعيات الحرب مع إيران، وأزمة مضيق هرمز، وتزايد المخاوف داخل الولايات المتحدة من فقدان تفوقها التكنولوجي لصالح الصين.
عمالقة التكنولوجيا يرافقون ترامب إلى بكين
الوفد المرافق لترامب يعكس حجم الرهان الأمريكي على التكنولوجيا باعتبارها سلاح القرن الجديد. من بين أبرز الأسماء المشاركة تيم كوك الرئيس التنفيذي المنتهية ولايته لشركة أبل، وإيلون ماسك مالك تسلا وسبيس إكس، إضافة إلى رؤساء شركات كبرى مثل ميتا وكوالكوم وسيسكو وميكرون. هذه الأسماء لا تمثل مجرد شركات، بل تمثل أعمدة القوة الاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية. غياب جنسن هوانغ رئيس شركة إنفيديا، الأكثر نفوذًا في عالم الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، أثار تساؤلات واسعة حول مدى إمكانية التوصل لاتفاقات كبرى بشأن أشباه الموصلات خلال الزيارة.
أبل والصين.. علاقة معقدة رغم التوترات
اختيار تيم كوك ضمن الوفد ليس صدفة، فشركة أبل لا تزال تعتمد بشكل كبير على الصين كمركز رئيسي للتصنيع وسوق استهلاكية ضخمة. نجاح هاتف آيفون 17 داخل السوق الصينية منح الشركة دفعة مالية هائلة، رغم محاولاتها نقل جزء من عملياتها إلى الهند وفيتنام. ترامب يدرك أن أبل تمثل جسرًا مهمًا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، كما أن كوك يمتلك خبرة طويلة في التعامل مع القيادة الصينية، وهو ما قد يساعد الإدارة الأمريكية في تخفيف حدة التوترات التجارية والتكنولوجية المتصاعدة.
واشنطن تبدأ تقليد بكين في الذكاء الاصطناعي
المفارقة الأبرز التي كشفها التقرير تتمثل في أن إدارة ترامب، رغم خطابها المتشدد ضد الصين، بدأت فعليًا في تبني سياسات مشابهة للنموذج الصيني في تنظيم الذكاء الاصطناعي. الصين تفرض منذ سنوات رقابة صارمة على نماذج الذكاء الاصطناعي، وتُلزم الشركات بعرض تقنياتها على الحكومة قبل إطلاقها للتأكد من توافقها مع المعايير الأمنية والسياسية. الآن، تدرس إدارة ترامب إصدار أوامر تنفيذية تُجبر شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية على تقديم نماذجها الجديدة للمراجعة الحكومية، في خطوة يعتبرها البعض تحولًا جذريًا في فلسفة واشنطن تجاه التكنولوجيا.
معركة الرقائق الإلكترونية تشتعل
ملف أشباه الموصلات يظل جوهر الصراع الحقيقي بين واشنطن وبكين. الولايات المتحدة تدرك أن الرقائق المتطورة أصبحت العنصر الأساسي في سباق الذكاء الاصطناعي والحروب الإلكترونية والصناعات العسكرية. لذلك فرضت قيودًا كبيرة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة للصين، لكن هذه القيود لم تمنع بكين من تحقيق تقدم سريع. تقارير أمريكية تؤكد أن نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية أصبحت تقترب بشكل خطير من منافسيها الأمريكيين، ما يثير قلقًا داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية الأمريكية من فقدان التفوق التقني الذي حافظت عليه واشنطن لعقود.
إيلون ماسك ودور التكنولوجيا في السياسة العالمية
وجود إيلون ماسك داخل الوفد يضيف بعدًا خاصًا للزيارة، فالرجل لا يمثل فقط قطاع السيارات الكهربائية والفضاء، بل أصبح لاعبًا سياسيًا وإعلاميًا مؤثرًا عالميًا. تسلا تعتمد بشكل كبير على السوق الصينية، بينما ترتبط شركات ماسك بعقود ومشاريع ضخمة مع الحكومة الأمريكية. مشاركة ماسك قد تعكس محاولة أمريكية لإقناع الصين بإبقاء قنوات التعاون التكنولوجي مفتوحة، رغم تصاعد الحرب الاقتصادية بين الطرفين. لكن في المقابل، يخشى بعض المسؤولين الأمريكيين من أن يؤدي التقارب الاقتصادي مع الصين إلى زيادة اعتماد الشركات الأمريكية على السوق الصينية.
الحرب مع إيران تضغط على واشنطن
زيارة ترامب إلى بكين تأتي بينما لا تزال الحرب مع إيران تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي. إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط واستنزاف الذخائر الأمريكية عوامل زادت الضغوط على البيت الأبيض. الصين بدورها تعتبر إيران شريكًا استراتيجيًا مهمًا، كما أن استمرار التوتر في الخليج يهدد الاقتصاد الصيني المعتمد على واردات الطاقة. لذلك من المتوقع أن يحاول ترامب استغلال الزيارة للحصول على دعم صيني يساهم في تهدئة الأزمة الإيرانية أو على الأقل منع بكين من تقديم دعم عسكري أو اقتصادي أوسع لطهران.
ماذا تعني الزيارة للعالم؟
الزيارة تكشف أن الصراع الأمريكي الصيني لم يعد مجرد نزاع تجاري، بل تحول إلى معركة شاملة على قيادة العالم تكنولوجيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن حماية تفوقها، تبدو الصين أكثر ثقة وقدرة على استغلال أخطاء الإدارة الأمريكية. كثير من المحللين يرون أن بكين باتت تمتلك أوراق ضغط حقيقية، سواء عبر المعادن النادرة أو التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي. أما ترامب، فيحاول تحقيق إنجازات سريعة يمكن تسويقها داخليًا، لكن مراقبين يحذرون من أن أي تنازلات أمريكية للصين قد تُفسر عالميًا باعتبارها بداية تراجع النفوذ الأمريكي في النظام الدولي الجديد.



