كوبا تدخل أخطر أزمة طاقة في تاريخها.. “لا ديزل ولا وقود” والانهيار يهدد ملايين السكان وسط حصار أميركي خانق
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة The Guardian، أعلنت الحكومة الكوبية رسميًا نفاد مخزون البلاد بالكامل من الديزل وزيت الوقود، في تطور وصفه مراقبون بأنه قد يدفع الجزيرة إلى حافة الانهيار الكامل. وزير الطاقة الكوبي Vicente de la O Levy أكد أن شبكة الكهرباء الوطنية أصبحت في “وضع حرج”، مع انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة تصل إلى 22 ساعة يوميًا في بعض أحياء العاصمة Havana. الأزمة تأتي في ظل تشديد الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على كوبا عبر حصار نفطي أدى إلى توقف الإمدادات القادمة من فنزويلا والمكسيك، بينما تسببت الحرب المرتبطة بإيران وارتفاع أسعار النفط عالميًا في تعقيد جهود هافانا للحصول على بدائل. المشهد الحالي داخل كوبا لم يعد مجرد أزمة طاقة، بل تحول إلى أزمة إنسانية متكاملة تهدد الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية في بلد يقترب من لحظة الانفجار الاجتماعي.
انقطاع كهرباء غير مسبوق يشل العاصمة
تشهد Havana واحدة من أسوأ موجات انقطاع الكهرباء في تاريخها الحديث، بعدما أصبحت الشبكة الوطنية تعمل بقدرات محدودة للغاية تعتمد فقط على النفط الخام المحلي والغاز الطبيعي والطاقة المتجددة. ومع غياب الوقود المستورد، تراجعت قدرة الدولة على تشغيل المحطات الكهربائية بصورة مستقرة، ما تسبب في انقطاعات شبه دائمة للتيار. السكان باتوا يعيشون لساعات طويلة دون كهرباء أو تبريد أو وسائل اتصال مستقرة، بينما تعطلت حركة النقل والخدمات العامة بصورة واسعة. هذه الانقطاعات لا تؤثر فقط على الحياة اليومية، بل تضرب أيضًا قطاعات حيوية مثل المستشفيات ومرافق المياه وحفظ الأغذية.
الحصار النفطي الأميركي يضغط على الجزيرة
الأزمة الحالية ترتبط بشكل مباشر بتصعيد السياسة الأميركية تجاه كوبا. إدارة Donald Trump فرضت خلال الأشهر الماضية ضغوطًا كبيرة على الدول والشركات التي تزود كوبا بالنفط، عبر التهديد بعقوبات ورسوم جمركية. هذا التحرك دفع دولًا مثل فنزويلا والمكسيك، اللتين كانتا من أبرز موردي الوقود إلى الجزيرة، إلى تقليص أو وقف الشحنات النفطية بالكامل. ووفق التقارير، لم تصل إلى كوبا منذ ديسمبر سوى ناقلة نفط روسية واحدة قدمت دعمًا مؤقتًا. النتيجة كانت اختناقًا تدريجيًا للاقتصاد الكوبي وشللًا متزايدًا للبنية التحتية الحيوية.
أزمة إنسانية تتفاقم داخل المدن
تأثير الأزمة تجاوز الكهرباء والوقود ليصل إلى الصحة العامة والنظافة والخدمات الأساسية. تقارير سابقة تحدثت عن توقف جزئي لعمليات جمع القمامة في العاصمة بسبب نقص الوقود، ما أدى إلى تراكم النفايات وانتشار الحشرات والروائح الكريهة، وسط مخاوف من تفشي الأمراض. كما تأثرت المستشفيات بشدة نتيجة ضعف تشغيل المولدات ونقص الطاقة، فيما اضطرت مدارس وجامعات إلى الإغلاق أو تقليص العمل. قطاع السياحة، الذي يمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة لكوبا، تعرض بدوره لضربة قاسية بسبب انهيار البنية الخدمية وصعوبة تشغيل المطارات ووسائل النقل.
الطاقة الشمسية لا تكفي لإنقاذ الشبكة
رغم أن كوبا استثمرت خلال العامين الماضيين في مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة تتجاوز 1300 ميغاواط، فإن هذه المشاريع لم تتمكن من تعويض النقص الحاد في الوقود. وزير الطاقة أوضح أن عدم استقرار الشبكة الكهربائية يؤدي إلى فقدان جزء كبير من كفاءة الطاقة المتجددة، ما يجعل الاعتماد عليها وحدها غير كافٍ لتشغيل البلاد. هذه النقطة تكشف معضلة الدول التي تحاول الانتقال للطاقة النظيفة دون امتلاك بنية تحتية مستقرة أو مصادر تقليدية داعمة، خصوصًا في ظل الأزمات الجيوسياسية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة.
الأمم المتحدة تدخل على الخط
الأزمة دفعت خبراء في United Nations إلى انتقاد الحصار النفطي الأميركي، معتبرين أنه يهدد حقوق الشعب الكوبي الأساسية، بما في ذلك الحق في الغذاء والصحة والمياه والتنمية. التقارير الأممية وصفت الوضع بأنه “خنق للطاقة” قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية خطيرة على نحو 10 ملايين شخص يعيشون في الجزيرة. في المقابل، تواصل واشنطن تبرير ضغوطها باعتبارها جزءًا من سياسة تستهدف الحكومة الكوبية، بينما يرى منتقدون أن العقوبات تضرب المدنيين بصورة مباشرة وتدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار.
ماذا يعني هذا التطور للعالم؟
الأزمة الكوبية الحالية تعكس كيف أصبحت الطاقة أداة ضغط جيوسياسي حاسمة في الصراعات الدولية. كما تكشف هشاشة الدول التي تعتمد بشكل شبه كامل على الواردات النفطية في ظل العقوبات والحروب الإقليمية. استمرار انهيار الوضع في كوبا قد يؤدي إلى موجات هجرة جديدة نحو الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية، فضلًا عن تصاعد الاضطرابات الداخلية. كما قد يدفع روسيا والصين إلى تعزيز حضورهما داخل الجزيرة لمواجهة النفوذ الأميركي في المنطقة، ما يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة ولكن بصيغة جديدة أكثر تعقيدًا.
السيناريو المتوقع خلال الأشهر المقبلة
إذا استمرت القيود الأميركية على تدفق النفط إلى كوبا، فمن المرجح أن تتفاقم أزمة الكهرباء والخدمات الأساسية بشكل أكبر، مع احتمال حدوث انهيارات متكررة للشبكة الوطنية. وقد تلجأ الحكومة الكوبية إلى تقنين أوسع للطاقة وإغلاق مزيد من المؤسسات العامة لتوفير الوقود. في المقابل، قد تحاول روسيا أو بعض الحلفاء تقديم دعم محدود يمنع الانهيار الكامل، لكن ذلك قد لا يكون كافيًا لإنهاء الأزمة ما لم يحدث انفراج سياسي أو تخفيف للعقوبات.



