الكلبجية والشارع المصري.. حرب باردة بين الرحمة والخوف

في كل شارع مصري تقريبًا، ستجد المشهد نفسه يتكرر:
رجل يضع بقايا طعام للكلاب بحنان واضح، وعلى بعد أمتار يقف شخص آخر يراقب الموقف بقلق، متأكدًا أن هذه “الوجبة المجانية” ستتحول بعد ساعات إلى مطاردة ليلية جديدة.
هكذا أصبحت الكلاب الضالة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الشارع المصري؛ قضية تجمع بين الرحمة والخوف، وبين حقوق الحيوان وحق المواطنين في الأمان.

“الكلبتجية”.. جيش الرحمة
يطلق البعض ساخرًا على محبي إطعام الكلاب اسم “الكلبتجية”.
لكن هؤلاء لا يرون أنفسهم مجرد هواة تربية حيوانات، بل يعتبرون ما يفعلونه واجبًا إنسانيًا.
تجد أحدهم ينزل مع الفجر حاملًا أكياس الطعام، ينادي الكلاب بأسماء حفظها عن ظهر قلب:
“سوسو”… “ماكس”… “لولو”.
بالنسبة لهم، الكلب البلدي ليس خطرًا، بل كائن جائع يبحث عن الأمان.
ويؤكد كثير من محبي الحيوانات أن الكلاب غالبًا لا تهاجم إلا إذا تعرضت للأذى أو شعرت بالخوف، وأن العنف ضدها هو ما يجعلها أكثر شراسة.

الطرف الآخر: “إحنا عايزين نمشي في الشارع بأمان”
لكن الصورة تبدو مختلفة تمامًا عند المواطنين الذين يعيشون تجربة يومية مرهقة مع الكلاب.
شاب خرج لشراء الخبز فعاد يركض أمام مجموعة كلاب.
طفل يرفض الذهاب إلى الدرس خوفًا من كلب عند أول الشارع.
وأمهات يحفظن أبناءهن تعليمات الطوارئ قبل النزول:
“لو شفت كلب… ما تجريش، وما تبصش في عينه”.
بالنسبة لهؤلاء، القضية لم تعد مجرد تعاطف مع الحيوانات، بل أصبحت مرتبطة بالأمان الشخصي والخوف من العقر أو المطاردات الليلية.
ويقول سكان في عدة مناطق إن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود الكلاب، بل بطريقة إطعامها عشوائيًا أمام المنازل وفي منتصف الطرق، ما يؤدي إلى تجمعها بأعداد كبيرة.

الكلب البلدي.. “شخصية مصرية” كاملة
ورغم الجدل، يبقى الكلب البلدي المصري حالة خاصة جدًا.
فهو ليس مجرد كلب شارع، بل كائن يمتلك “كاركتر” مصريًا واضحًا:
- ينام نهارًا تحت السيارات وكأنه موظف حكومة في إجازة.
- يتحول ليلًا إلى حارس أمن للمنطقة.
- يعرف سكان الشارع فردًا فردًا.
- يكتشف الغريب فور دخوله الحارة.
- يشارك في أي خناقة حتى لو لا يعرف السبب.
وفي كثير من الأحيان، يتحول إلى جزء من هوية المكان نفسه.

الدولة في المنتصف
الحكومة المصرية تجد نفسها أمام معادلة صعبة.
فمن ناحية، هناك شكاوى متزايدة من المواطنين بسبب انتشار الكلاب الضالة.
ومن ناحية أخرى، ترفض جمعيات الرفق بالحيوان أي حلول تعتمد على القتل أو التسميم.
لذلك اتجهت الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى برامج:
- التعقيم،
- التطعيم،
- ثم إعادة الكلاب إلى أماكنها.
وتهدف هذه الطريقة إلى تقليل أعداد الكلاب تدريجيًا ومنع انتشار الأمراض، خصوصًا السعار.
لكن كثيرين يرون أن هذه الحلول ما تزال بطيئة مقارنة بحجم المشكلة على أرض الواقع.

جمعيات حقوق الحيوان: “الحل ليس بالعنف”
تؤكد جمعيات الرفق بالحيوان أن التعامل القاسي مع الكلاب لن يحل الأزمة، بل قد يزيدها سوءًا.
وترى هذه الجمعيات أن الحل الحقيقي يبدأ من:
- إنشاء ملاجئ مناسبة،
- دعم حملات التطعيم،
- نشر ثقافة التعامل الآمن مع الحيوانات،
- وتنظيم عملية إطعام الكلاب بدل تركها عشوائية.
كما تشدد على أن الرحمة بالحيوان لا تتعارض مع حماية الإنسان، بل يجب أن يسير الأمران معًا.

بين الرحمة والخوف
تبقى أزمة الكلاب الضالة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع المصري، لأنها تمس مشاعر متناقضة لدى الجميع.
فبين شخص يرى كلبًا جائعًا يحتاج إلى الطعام، وآخر يرى فيه مصدر خوف يومي… تستمر المعركة في كل شارع.
وربما لا يحتاج الشارع المصري إلى الانحياز الكامل لأي طرف، بقدر ما يحتاج إلى حل متوازن:



