العالم عند مفترق الطاقة: مؤتمر سانتا مارتا يفتح أول مواجهة دولية جادة مع هيمنة الوقود الأحفوري وسط فوضى سياسية واقتصادية عالمية
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، يشهد العالم تحولًا متسارعًا في النقاش الدولي حول مستقبل الوقود الأحفوري، مع انعقاد مؤتمر “سانتا مارتا” في كولومبيا كأول محاولة منظمة لتنسيق انتقال عالمي بعيدًا عن النفط والغاز والفحم. ويكشف التقرير أن هذا الاجتماع، الذي جمع عشرات الدول والخبراء وصناع القرار، جاء في وقت تتداخل فيه الأزمات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب في إيران، مع اضطرابات أسواق الطاقة وتزايد الضغوط المناخية. ورغم الطابع غير الرسمي للمؤتمر وغياب قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلا أنه مثّل لحظة مفصلية في النقاش العالمي حول ضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد الدولي بعيدًا عن الاعتماد التاريخي على الوقود الأحفوري. ويشير التقرير إلى أن الحدث لم يقدم حلولًا نهائية، لكنه فتح الباب لأول مرة أمام نقاش عملي حول “كيفية إنهاء عصر النفط” بدل الاكتفاء بإدارته.
من تحذيرات مبكرة إلى واقع سياسي متأخر
يستعرض التقرير رحلة طويلة من التحذيرات الأكاديمية والسياسية حول ضرورة كبح الاعتماد على الوقود الأحفوري، بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي عندما كان هذا الملف يُعتبر هامشيًا في دوائر السياسة الدولية. ورغم مرور عقود من مؤتمرات المناخ، ظلت الإشارة المباشرة إلى النفط والغاز والفحم غائبة أو ضعيفة في الاتفاقات الكبرى. ومع ذلك، بدأت ملامح التغيير تظهر تدريجيًا مع توسع استخدام الطاقة المتجددة، وظهور تحالفات دولية تسعى لتقليص الاعتماد على الفحم والنفط. لكن التقرير يؤكد أن هذه التحولات كانت بطيئة ومجزأة، ولم تصل بعد إلى مستوى يغير البنية الأساسية للاقتصاد العالمي القائم على الطاقة التقليدية.

مؤتمر سانتا مارتا: محاولة لكسر جمود النظام العالمي
يمثل مؤتمر سانتا مارتا، بحسب التقرير، أول محاولة سياسية واسعة لتجاوز آليات الأمم المتحدة التقليدية التي حالت لعقود دون التوصل إلى التزامات حقيقية بشأن الوقود الأحفوري. ورغم أن المؤتمر لم يُصمم كبديل لمفاوضات المناخ الرسمية، إلا أنه جمع أكثر من 60 دولة من أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا لمناقشة آليات عملية لتقليص الاعتماد على النفط والغاز. وبرز غياب القوى الكبرى كعامل حساس، ما يعكس حجم الانقسام العالمي حول القضية. كما أظهر المؤتمر أن هناك استعدادًا متزايدًا لدى بعض الدول للانتقال من مرحلة “التعهدات” إلى مرحلة “خرائط طريق تنفيذية”، رغم غياب توافق عالمي شامل.
الانقسام العالمي بين الاقتصادات المنتجة والمستهلكة للطاقة
يسلط التقرير الضوء على الانقسام العميق بين الدول المنتجة للوقود الأحفوري وتلك المستوردة له، وهو انقسام يحدد إلى حد كبير مستقبل التحول الطاقي. فبينما ترى الدول المستوردة أن الاعتماد على النفط والغاز يمثل عبئًا اقتصاديًا واستراتيجيًا، تعتبر الدول المصدرة أن هذه الموارد تشكل العمود الفقري لاقتصاداتها وموازناتها العامة. هذا التناقض يخلق صعوبة كبيرة في بناء موقف عالمي موحد، ويجعل أي محاولة للانتقال السريع محفوفة بمخاطر اقتصادية واجتماعية، خصوصًا في الدول النامية المعتمدة على عائدات الطاقة.

جدل “الإيقاف أولًا أم البناء أولًا”
يشير التقرير إلى جدل أكاديمي وسياسي متصاعد حول الطريقة المثلى للتخلي عن الوقود الأحفوري، بين من يدعو إلى بناء بدائل قوية أولًا مثل الطاقة المتجددة قبل فرض قيود على النفط، ومن يرى ضرورة التحرك المتزامن بين تقليص الوقود التقليدي وتوسيع البدائل. هذا الخلاف يعكس اختلافًا عميقًا في فلسفة التحول الاقتصادي، حيث يحذر البعض من أن الانتظار قد يمنح شركات النفط مزيدًا من النفوذ، بينما يرى آخرون أن التسرع قد يسبب أزمات اقتصادية حادة في الدول المعتمدة على الصادرات النفطية. ويبدو أن هذا النقاش سيبقى محوريًا في أي استراتيجية انتقال مستقبلية.
الاقتصاد والسياسة: معركة على الثروة والسلطة
يؤكد التقرير أن التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري ليس مجرد قضية بيئية، بل معركة اقتصادية وسياسية حول من يملك موارد المستقبل. فالدول والشركات المرتبطة بالنفط والغاز تواجه تحديًا وجوديًا يتمثل في فقدان جزء كبير من نفوذها الاقتصادي مع توسع الطاقة النظيفة. وفي المقابل، تسعى شركات التكنولوجيا والطاقة المتجددة إلى إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية. هذا التحول يهدد بإعادة توزيع الثروة عالميًا، وقد يؤدي إلى توترات سياسية داخل الدول وبينها، خصوصًا في ظل ارتفاع الديون في العديد من الاقتصادات النامية.

قراءة تحليلية: هل بدأ فعلاً “نهاية عصر النفط”؟
يشير التقرير إلى أن مؤتمر سانتا مارتا لا يمثل نهاية عصر الوقود الأحفوري، لكنه قد يكون بداية مسار طويل نحو تفكيكه تدريجيًا. الواقع الحالي يوصف بأنه مرحلة انتقالية غير مستقرة، تتعايش فيها الطاقة المتجددة مع الاعتماد المستمر على النفط والغاز، في ظل أزمات جيوسياسية مثل الحرب في إيران. السيناريو الأقرب هو استمرار هذا التوازن الهش لسنوات، مع تسارع في التحول داخل بعض الدول وتباطؤ في أخرى. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هذا النوع من المؤتمرات يعكس تحولًا في الوعي العالمي، حتى وإن كان التنفيذ ما يزال بعيدًا عن التوافق الكامل.



