ترامب يعود من بكين بخسائر سياسية واقتصادية.. الصين تفرض شروطها وتكشف تراجع النفوذ الأمريكي عالميًا
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من زيارته الأخيرة إلى الصين وسط أجواء مختلفة تمامًا عن تلك التي رافقت أولى جولاته الخارجية بعد عودته إلى البيت الأبيض قبل عام. ففي الوقت الذي كان ترامب يتحدث سابقًا عن “عصر أمريكي جديد” وهيمنة اقتصادية وسياسية عالمية، وجد نفسه هذه المرة محاصرًا بأزمات داخلية وخارجية، أبرزها الحرب مع إيران وارتفاع التضخم وتراجع شعبيته داخليًا. الزيارة التي كان يُفترض أن تحقق اختراقات اقتصادية وتجارية مهمة تحولت إلى مشهد سياسي كشف حجم التعقيدات التي تواجه الإدارة الأمريكية، بينما بدا الرئيس الصيني شي جين بينغ أكثر ثباتًا وثقة وقدرة على فرض أولوياته، وعلى رأسها ملف تايوان والاستقرار الإقليمي. ويرى مراقبون أن القمة الأخيرة أظهرت تحوّلًا واضحًا في ميزان القوة بين واشنطن وبكين، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا اقتصادية وعسكرية غير مسبوقة.
من “الهيمنة الأمريكية” إلى إدارة الأزمات
قبل عام فقط، كان ترامب يتحدث بثقة عن إعادة تشكيل النظام العالمي وفرض سياسة أمريكية جديدة تعتمد على القوة الاقتصادية والضغط التجاري. لكن المشهد تغير جذريًا بعد الحرب مع إيران وما تبعها من ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ الاقتصاد الأمريكي. التقرير يشير إلى أن ترامب وصل إلى بكين هذه المرة وهو يحمل أعباء أزمة دولية مفتوحة، الأمر الذي قلل من قدرته على المناورة السياسية والدبلوماسية، وجعل زيارته أقرب لمحاولة احتواء الخسائر بدل صناعة إنجازات جديدة.
الصين استغلت اللحظة وفرضت أولوياتها
الرئيس الصيني شي جين بينغ استقبل ترامب باحترام رسمي واضح، لكنه لم يمنحه الانتصارات السياسية التي كان يبحث عنها. وبدل أن تتحول القمة إلى منصة للإعلان عن اتفاقات اقتصادية ضخمة، ركزت بكين على ملف تايوان باعتباره القضية الأكثر حساسية بالنسبة للصين. وخلال اللقاءات، وجهت القيادة الصينية رسائل قوية تحذر من أي تحركات أمريكية قد تؤدي إلى صدام مباشر حول الجزيرة، ما وضع واشنطن في موقف دفاعي سياسي ودبلوماسي.
الاقتصاد الأمريكي يدفع ثمن الحرب والتوترات
التقرير يوضح أن الحرب مع إيران باتت تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. هذه التطورات انعكست بشكل مباشر على معدلات التضخم وثقة الأسواق، كما ساهمت في تراجع شعبية ترامب داخليًا. وفي الوقت الذي كان الرئيس الأمريكي يأمل في العودة من بكين باتفاقات اقتصادية ضخمة تدعم الأسواق، جاءت النتائج أقل بكثير من التوقعات، حتى أن أسهم شركات كبرى مثل بوينغ سجلت تراجعًا ملحوظًا أثناء الزيارة.
تايوان تتحول إلى أخطر نقطة اشتعال بين القوتين
أحد أبرز الملفات التي طغت على القمة كان مستقبل تايوان، حيث تعاملت الصين مع القضية باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لنوايا واشنطن. ترامب بدوره تجنب تقديم التزامات واضحة بشأن الدفاع عن الجزيرة، ما أثار مخاوف داخل الأوساط السياسية في تايوان وحلفاء الولايات المتحدة في آسيا. ويرى محللون أن بكين تستغل انشغال واشنطن بالحرب مع إيران لإعادة صياغة قواعد اللعبة في شرق آسيا، وفرض ضغوط متزايدة على الإدارة الأمريكية.

بكين تراهن على الزمن وواشنطن تعاني من الاستنزاف
الرسالة التي حاولت الصين إيصالها خلال القمة كانت واضحة: بكين تنظر إلى الصراع مع الولايات المتحدة باعتباره معركة طويلة الأمد، بينما تبدو واشنطن غارقة في أزمات متلاحقة. التقرير يشير إلى أن القيادة الصينية تتعامل بثقة مع المتغيرات الحالية، معتبرة أن الوقت يعمل لصالحها سواء اقتصاديًا أو سياسيًا أو عسكريًا. وفي المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية تحديات داخلية متزايدة تحد من قدرتها على فرض رؤيتها عالميًا كما كانت تفعل في السابق.
قراءة تحليلية: ماذا تعني قمة بكين؟
القمة الأخيرة بين ترامب وشي جين بينغ كشفت أن العالم يتحرك تدريجيًا نحو نظام دولي أقل خضوعًا للهيمنة الأمريكية التقليدية. فالصين لم تعد تتعامل مع واشنطن كقوة لا يمكن تحديها، بل كخصم يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة. السيناريو المتوقع خلال المرحلة المقبلة يتمثل في استمرار التنافس الحاد بين القوتين، لكن مع انتقال بكين تدريجيًا إلى موقع أكثر جرأة وثقة في فرض مصالحها، خصوصًا في آسيا والمحيط الهادئ. كما أن استمرار الحرب مع إيران قد يضعف قدرة واشنطن على إدارة أكثر من جبهة استراتيجية في الوقت نفسه، وهو ما يمنح الصين مساحة أوسع للتحرك والنفوذ.



