اختناق التجارة العالمية.. إغلاق هرمز يشعل أسعار الشحن ويجبر الشركات على نقل البضائع بالشاحنات عبر الصحارى

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة Financial Times، دخلت حركة التجارة العالمية مرحلة غير مسبوقة من الفوضى والاختناق اللوجستي بعد شبه الإغلاق الكامل لمضيق Strait of Hormuz نتيجة الحرب الإيرانية المستمرة، ما دفع شركات الشحن العالمية إلى اللجوء للنقل البري بالشاحنات كحل اضطراري لنقل البضائع إلى دول الخليج.

التقرير كشف أن مئات الشحنات العالقة ما زالت متكدسة في موانئ بعيدة تمتد من الهند إلى موزمبيق، بينما ارتفعت أسعار الشحن البحري إلى مستويات قياسية تجاوزت حتى ذروة أزمة كورونا. وأصبحت شركات الملاحة الكبرى، مثل Maersk وMSC وCMA CGM، تعتمد على “الجسور البرية” عبر السعودية والعراق والإمارات لتعويض توقف الملاحة البحرية داخل الخليج، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي تهدد سلاسل الإمداد والطاقة والغذاء عالميًا.
أسعار الشحن تقفز لمستويات تاريخية
شهدت خطوط الشحن بين الصين والخليج والبحر الأحمر قفزات هائلة في الأسعار خلال الأيام الماضية، حيث ارتفعت تكلفة نقل الحاوية القياسية من أقل من ألف دولار قبل الحرب إلى أكثر من 4 آلاف دولار حاليًا، بحسب بيانات شركات الأبحاث البحرية.
وتجاوزت هذه المعدلات حتى المستويات التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا، وهو ما يعكس حجم الضغط الهائل على قطاع النقل العالمي. ويرجع الجزء الأكبر من هذه الزيادة إلى ارتفاع أسعار الوقود، بالإضافة إلى الطلب الضخم على الشاحنات البرية بعد تراجع حركة السفن داخل مضيق هرمز بشكل شبه كامل.
شركات الشحن تتحول إلى “الجسور البرية”
في محاولة لتجاوز الأزمة، بدأت كبرى شركات الشحن العالمية إنشاء مسارات نقل بري تمتد من موانئ البحر الأحمر وخليج عمان إلى موانئ الخليج العربي عبر آلاف الشاحنات.
وتشمل هذه المسارات موانئ مثل King Abdullah Port وPort of Fujairah، وصولًا إلى موانئ رئيسية مثل Jebel Ali Port ومدينة البصرة العراقية.
لكن مسؤولي القطاع أكدوا أن النقل البري لا يمكنه تعويض الطاقة الاستيعابية الهائلة التي كانت توفرها السفن العملاقة المارة عبر مضيق هرمز، حيث انخفض عدد السفن العابرة يوميًا من نحو 135 سفينة قبل الحرب إلى عدد محدود جدًا، وسط تعرض عشرات السفن لهجمات مباشرة.
الخليج يواجه نقصًا حادًا وتأخيرات ضخمة
الأزمة بدأت تنعكس بشكل واضح على الأسواق الخليجية، حيث تراجعت تدفقات البضائع بنسبة تتراوح بين 60 و80% وفق تقديرات شركات الشحن العالمية.
وأصبحت بعض الموانئ تضطر إلى إعطاء أولوية للسلع الأساسية مثل الغذاء والأدوية فقط، بينما تواجه السلع التجارية الأخرى تأخيرات قد تصل إلى شهرين كاملين.
شركات هندية كبرى، بينها مجموعة Tata Group، أكدت أنها اضطرت لتحويل شحناتها إلى موانئ بديلة في السعودية والإمارات قبل نقلها بريًا، ما أدى إلى ارتفاع التكاليف وإبطاء عمليات التسليم بشكل كبير.
أزمة لوجستية تضرب الغذاء والأسمدة والسيارات
لم تقتصر تداعيات الأزمة على السلع الاستهلاكية فقط، بل امتدت إلى قطاعات حيوية مثل الحبوب والأسمدة والسيارات.
وأوضح مسؤولون في شركات تجارة الأسمدة أن نقل شحنات ضخمة تزن عشرات الآلاف من الأطنان عبر الشاحنات يمثل “كابوسًا لوجستيًا”، خاصة أن كل شاحنة لا تنقل سوى نحو 30 طنًا فقط.
كما اضطرت شركات سعودية كبرى مثل SABIC وMaaden إلى نقل شحنات الأسمدة لمسافات تتجاوز 14 ساعة داخل المملكة، ما أضاف عشرات الدولارات على تكلفة الطن الواحد.
في المقابل، أكدت شركات سيارات عالمية أن بعض شحناتها ما زالت عالقة في موانئ بموزمبيق وسريلانكا، دون وضوح موعد وصولها النهائي إلى الشرق الأوسط.
المساعدات الإنسانية تدخل دائرة الخطر
واحدة من أخطر تداعيات الأزمة ظهرت في ملف المساعدات الإنسانية، حيث أكد World Food Programme أن الحرب عطلت وصول شحنات الإغاثة إلى عدة دول، خاصة اليمن وجيبوتي وأفغانستان.
وبحسب البرنامج، اضطرت بعض الشحنات إلى عبور تسع دول برًا للوصول إلى وجهاتها النهائية بعد توقف المسارات التقليدية عبر إيران والخليج، ما تسبب في تأخيرات تجاوزت 40 و60 يومًا في بعض الحالات.
هذا الوضع يثير مخاوف من تفاقم الأزمات الغذائية والإنسانية في عدد من المناطق الهشة حول العالم، خصوصًا مع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة.
ماذا يعني هذا للعالم؟
تعكس الأزمة الحالية مدى خطورة مضيق هرمز باعتباره أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم. فأي اضطراب طويل الأمد في هذه المنطقة لا يهدد فقط دول الخليج، بل يضرب الاقتصاد العالمي بالكامل، من أسعار الوقود وحتى سلاسل الإمداد الغذائية والصناعية.
كما تكشف الأزمة هشاشة النظام التجاري العالمي واعتماده الكبير على ممرات بحرية محدودة، وهو ما قد يدفع الدول والشركات مستقبلاً إلى إعادة التفكير في طرق التجارة وسلاسل التوريد البديلة.
ويرى محللون أن استمرار الحرب أو توسعها قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة، خاصة مع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على أسعار السلع والمواد الغذائية عالميًا.
السيناريو المتوقع خلال الفترة المقبلة
إذا استمر شبه إغلاق مضيق هرمز، فمن المتوقع أن تتفاقم أزمة الشحن خلال الأسابيع المقبلة، مع زيادة التكدس في الموانئ وارتفاع أسعار النقل بشكل أكبر.
وقد تضطر شركات الشحن العالمية إلى تقليص رحلاتها إلى الخليج أو فرض رسوم إضافية ضخمة على العملاء، بينما ستزداد الضغوط على شبكات النقل البري في السعودية والإمارات والعراق.
وفي حال فشل الجهود السياسية في احتواء الحرب، فقد يتحول الخليج إلى بؤرة اختناق تجاري عالمي طويلة الأمد، مع تداعيات اقتصادية قد تتجاوز تأثيرات جائحة كورونا على قطاع الشحن الدولي.



