أوروبا تخشى واشنطن بصمت؟.. اتهامات الرقابة تكشف أزمة ثقة غير مسبوقة بين الاتحاد الأوروبي وإدارة ترامب

وفقًا لمقال نشرته صحيفة Financial Times للكاتبة والبرلمانية الأوروبية السابقة Marietje Schaake، تعيش أوروبا واحدة من أكثر لحظاتها السياسية حساسية منذ عقود، وسط تصاعد الضغوط الأمريكية على الحكومات الأوروبية بشأن قوانين تنظيم شركات التكنولوجيا وحرية التعبير. المقال كشف أن قادة الاتحاد الأوروبي باتوا يتجنبون المواجهة العلنية مع إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump، رغم ما تعتبره بروكسل تدخلًا مباشرًا في سيادتها الرقمية والسياسية.
وتشير الكاتبة إلى أن واشنطن تستخدم خطاب “حرية التعبير” كسلاح سياسي للضغط على أوروبا ومنعها من فرض قيود تنظيمية على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، بينما تتهم الإدارة الأمريكية الاتحاد الأوروبي بممارسة الرقابة وقمع الآراء السياسية. وفي المقابل، تتهم أصوات أوروبية إدارة ترامب بازدواجية المعايير، خاصة مع تزايد حملات حظر الكتب والمحتوى داخل الولايات المتحدة نفسها، إضافة إلى قرارات مثيرة للجدل تخص الذكاء الاصطناعي والتعليم والحريات الثقافية.
تصعيد أمريكي ضد أوروبا تحت شعار “حرية التعبير”
شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدًا واضحًا من إدارة ترامب تجاه المؤسسات الأوروبية، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio الذي هاجم ما وصفه بـ”مجمع الرقابة العالمي”، متهمًا أوروبا بإجبار شركات التكنولوجيا الأمريكية على تقييد بعض الآراء والمحتويات السياسية.
ولم تتوقف الضغوط عند التصريحات السياسية فقط، بل امتدت إلى فرض عقوبات على شخصيات أوروبية بارزة، من بينها المفوض الأوروبي السابق Thierry Breton، الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة بسبب دوره السابق في تشديد الرقابة التنظيمية على شركات التكنولوجيا العملاقة. هذه الخطوات اعتبرها مراقبون تحولًا خطيرًا في طبيعة العلاقة بين ضفتي الأطلسي، حيث لم تعد الخلافات اقتصادية أو عسكرية فقط، بل أصبحت تمس القيم السياسية والسيادة التشريعية.
أوروبا ترد بالصمت.. خوفًا من التصعيد
بحسب المقال، فإن الرد الأوروبي على هذه الضغوط جاء “باهتًا” مقارنة بحجم التصعيد الأمريكي. فبدلًا من المواجهة العلنية، اختار عدد من القادة الأوروبيين اتباع سياسة “الغموض الاستراتيجي”، عبر محاولة تهدئة البيت الأبيض وتجنب أي تصريحات قد تؤدي إلى ردود انتقامية من واشنطن.
وتوضح الكاتبة أن هذا النهج سببه مخاوف أوروبية حقيقية من الدخول في صدام مباشر مع إدارة ترامب، خصوصًا في ظل اعتماد أوروبا العسكري والأمني الكبير على الولايات المتحدة داخل حلف NATO. كما تخشى الحكومات الأوروبية من تداعيات اقتصادية أو تجارية قد تؤثر على الأسواق الأوروبية الهشة أصلًا بسبب الأزمات العالمية والحروب الجيوسياسية.
اتهامات بالنفاق الأمريكي في ملف الحريات
واحدة من أبرز النقاط التي أثارها المقال تمثلت في اتهام واشنطن بازدواجية المعايير. ففي الوقت الذي تهاجم فيه أوروبا بسبب قوانين تنظيم المحتوى الرقمي، تشهد الولايات المتحدة نفسها حملات واسعة لحظر الكتب والمناهج الدراسية في بعض الولايات الأمريكية.
وأشارت الكاتبة إلى أن بعض الجامعات الأمريكية بدأت بالفعل مناقشة منع تدريس أعمال فلسفية كلاسيكية بدعوى ارتباطها بقضايا “الهوية والجندر”، كما تعرضت كتب شهيرة مثل مذكرات Anne Frank لقرارات إزالة من بعض المدارس. كذلك وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا يقيّد استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التي تدعم سياسات التنوع والشمول داخل المؤسسات الحكومية، ما اعتبره منتقدون شكلًا جديدًا من الرقابة السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.
“الانسحاب الهادئ”.. استراتيجية أوروبية جديدة
يرى المقال أن أوروبا بدأت فعليًا تنفيذ سياسة “الانسحاب الهادئ” من الاعتماد الأمريكي، عبر تعزيز مشاريع التكنولوجيا المحلية، وتوسيع الاستثمارات في الحلول السيادية الأوروبية، وتقليل الاعتماد على الشركات الأمريكية في القطاعات الحساسة.
لكن الكاتبة تحذر من أن هذا الصمت الأوروبي قد يحمل مخاطر داخلية كبيرة، لأنه يترك الساحة مفتوحة أمام الحركات اليمينية والشعبوية المؤيدة لترامب داخل أوروبا، والتي بدأت تستغل حالة الارتباك الحالية للترويج لفكرة أن واشنطن أصبحت أقوى وأكثر حسمًا من المؤسسات الأوروبية التقليدية.
كما تؤكد أن غياب خطاب أوروبي واضح يشرح للمواطنين حقيقة الصراع الحالي قد يؤدي إلى أزمة ثقة متزايدة بين الشعوب الأوروبية وحكوماتها.
ماذا يعني هذا التصعيد للعالم؟
الأزمة الحالية تعكس تحولًا عميقًا في طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا. فبعد عقود من التحالف الوثيق، يبدو أن الطرفين دخلا مرحلة تنافس سياسي وفكري حول قضايا الحريات الرقمية والسيادة التكنولوجية.
ويرى محللون أن هذا الصدام قد يعيد تشكيل خريطة الإنترنت العالمية، مع اتجاه أوروبا نحو بناء منظومة رقمية مستقلة عن الهيمنة الأمريكية، في مقابل محاولة واشنطن الحفاظ على نفوذ شركاتها العملاقة عالميًا.
كما أن استمرار هذا التوتر قد يؤثر على ملفات أكبر، مثل التعاون الأمني، والذكاء الاصطناعي، وتنظيم البيانات، وحتى مستقبل العلاقات داخل المعسكر الغربي نفسه.
السيناريو المتوقع خلال المرحلة المقبلة
من المرجح أن تستمر أوروبا في سياسة “التهدئة العلنية” مع واشنطن خلال الأشهر المقبلة، مع العمل في الوقت نفسه على تقوية استقلالها الاقتصادي والتكنولوجي بشكل تدريجي بعيدًا عن الأضواء.
لكن إذا واصلت إدارة ترامب التصعيد ضد المؤسسات الأوروبية وفرض المزيد من الضغوط السياسية، فقد تجد بروكسل نفسها مضطرة إلى اتخاذ موقف أكثر وضوحًا، خاصة إذا تحولت الخلافات الحالية إلى تهديد مباشر للمصالح الأوروبية أو للحريات السياسية داخل القارة.
ويرى مراقبون أن ملف التكنولوجيا وحرية التعبير سيكون ساحة الصدام الكبرى بين أوروبا وواشنطن خلال السنوات المقبلة، في معركة قد تحدد شكل النظام الرقمي العالمي الجديد.



