حرب 2026 في لبنان: كيف أعاد حزب الله فرض معادلة الاستنزاف وأربك المنطقة الأمنية الإسرائيلية
وفقًا لتقرير نشره موقع “The Cradle”، يشهد جنوب لبنان تحولًا عسكريًا لافتًا في موازين المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بعد أن تمكنت المقاومة اللبنانية من إعادة صياغة عقيدتها القتالية عقب الضربات التي تلقتها في عامي 2024 و2025. ويشير التقرير إلى أن إسرائيل، رغم تفوقها الناري وقدرتها على تدمير البنية الجغرافية والقرى الحدودية، لم تنجح في تثبيت “منطقة أمنية” مستقرة داخل الجنوب اللبناني. في المقابل، أعاد حزب الله بناء منظومته القتالية على أساس مرونة ميدانية، وحرب استنزاف متعددة الطبقات، تقوم على الكمائن والهجمات الدقيقة والطائرات المسيّرة. هذا التطور، بحسب التقرير، جعل كل متر داخل المنطقة الحدودية ساحة اشتباك مفتوحة، وأفشل محاولات تحويل الدمار إلى سيطرة ميدانية دائمة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع أكثر تعقيدًا من سابقاتها.
إعادة بناء العقيدة العسكرية تحت الضغط
يقول التقرير إن الضربات التي تلقاها حزب الله لم تُنهِ قدراته، بل دفعت إلى عملية مراجعة داخلية شاملة أعادت تشكيل العقيدة العسكرية. ووفق مصادر ميدانية، جرى تطوير نموذج قتالي جديد يعتمد على المرونة بدل التمركز، وعلى المبادرة بدل رد الفعل. هذا التحول شمل إعادة تنظيم القيادة الميدانية، وتوسيع العمل تحت الأرض، وتقليل الاعتماد على الاتصالات المكشوفة، مع تعزيز الخطط المسبقة للعمليات. الهدف الأساسي أصبح إبطاء تقدم القوات الإسرائيلية وإرهاقها تدريجيًا بدل المواجهة التقليدية المباشرة، ما يجعل كل تقدم ميداني مكلفًا ويصعب تثبيته.

حرب الاستنزاف: تحويل الأرض إلى “مصيدة متحركة”
بحسب التقرير، طوّر حزب الله أسلوبًا يعتمد على تحويل مناطق الجنوب إلى شبكة من الكمائن المتداخلة. ويشمل ذلك استخدام الأنفاق، والهجمات الخاطفة، والألغام المموهة، والانسحاب السريع بعد الضرب. هذا النمط يجعل أي تقدم إسرائيلي داخل “المنطقة الأمنية” محفوفًا بالمخاطر، حيث تتحول كل نقطة تقدم إلى خط تماس جديد. كما يعتمد الحزب على مبدأ “الضربة المناسبة بالسلاح المناسب”، ما يعني عدم إهدار الذخيرة أو الموارد، بل توجيه كل سلاح نحو هدف محدد بدقة عالية، وهو ما يضاعف فعالية العمليات رغم محدودية الاشتباك المباشر.

الطائرات المسيّرة: سلاح يغيّر قواعد الاشتباك
يركّز التقرير بشكل كبير على تطور استخدام الطائرات المسيّرة لدى حزب الله، باعتبارها أحد أهم عناصر التفوق الجديد في ساحة المعركة. وتشمل هذه المنظومة طائرات استطلاع وهجوم مبرمجة مسبقًا، إضافة إلى نماذج تعمل بالألياف البصرية تجعل التشويش الإلكتروني غير فعال. هذا النوع من الطائرات يسمح بتنفيذ هجمات دقيقة يصعب اعتراضها، خاصة ضد المركبات والدبابات والمواقع المحصنة. ويشير التقرير إلى أن هذا التطور أربك المنظومات الدفاعية الإسرائيلية، ودفع الجيش الإسرائيلي إلى تطوير وسائل بديلة مثل الأقفاص المعدنية والدفاعات النشطة، دون تحقيق حماية كاملة.
الرد الإسرائيلي: محاولات احتواء غير مكتملة
في المقابل، يوضح التقرير أن إسرائيل تحاول مواجهة هذا التطور عبر تشكيل وحدات متخصصة، وتطوير تقنيات اعتراض جديدة تشمل الليزر والحرب الإلكترونية والطائرات المضادة للمسيّرات. إلا أن هذه الجهود، بحسب تقييمات عسكرية إسرائيلية نقلها التقرير، ما زالت جزئية وغير قادرة على تغطية الهجمات المتزامنة والمتعددة الاتجاهات. كما أظهرت التجربة الميدانية أن الدفاعات التقليدية، بما فيها أنظمة الحماية النشطة، لم تعد كافية أمام تكتيكات تعتمد على السرعة والتخفي والتشبع الهجومي. هذا الواقع خلق حالة من الإرباك داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشأن جدوى الاستراتيجية الحالية.

فشل “المنطقة الأمنية” وإعادة تشكيل موازين الردع
يشير التحليل الختامي للتقرير إلى أن إسرائيل لم تنجح في تحويل الدمار الواسع في جنوب لبنان إلى سيطرة ميدانية مستقرة. فرغم محاولات إنشاء “منطقة أمنية” تمتد حتى نهر الليطاني، بقيت الأرض ساحة استنزاف مفتوحة. وفي المقابل، لم يسع حزب الله إلى استعادة الأرض بشكل تقليدي، بل ركّز على منع تثبيت الاحتلال عبر استهداف مستمر للقوات والتحركات الإسرائيلية. هذا التوازن الجديد، بحسب التقرير، أدى إلى انهيار فكرة “الحزام الأمني الآمن”، وظهور معادلة جديدة تقوم على قدرة إسرائيل على التدمير مقابل عجزها عن الاحتفاظ بالمواقع، وهو ما قد يحدد شكل الصراع في المرحلة المقبلة.



