صدمة الشمال تهز إسرائيل.. اعترافات عسكرية تكشف فشل “سهام الشمال” أمام صمود حزب الله
وفقًا لتقرير نشرته The Cradle، بدأت تتكشف داخل إسرائيل تفاصيل صادمة بشأن أداء الجيش الإسرائيلي خلال مواجهة جنوب لبنان عام 2026، بعدما تحولت الحرب التي كانت تل أبيب تعتقد أنها محسومة مسبقًا إلى اختبار قاسٍ لقدراتها العسكرية والاستخباراتية. فالتقارير الإسرائيلية المسربة، إلى جانب اعترافات قادة عسكريين كبار، أظهرت أن حزب الله لم يكن مجرد قوة “مستنزفة” كما روجت القيادة الإسرائيلية عقب عملية “سهام الشمال”، بل احتفظ ببنية قتالية منظمة وقدرة عالية على المناورة وإدارة المعركة.

وتشير المعطيات إلى أن الجيش الإسرائيلي فوجئ بسرعة إعادة تموضع حزب الله جنوب الليطاني، وإعادة بناء بنيته العسكرية خلال فترة قصيرة، رغم الضربات العنيفة التي تعرض لها في أواخر 2024. الأخطر بالنسبة لإسرائيل أن المعركة كشفت وجود فجوات عميقة في التقديرات الاستخباراتية، وضعفًا في جاهزية الجبهة الداخلية، إضافة إلى عجز واضح عن حسم المواجهة رغم التفوق الجوي والتكنولوجي. هذه الاعترافات فتحت بابًا واسعًا للنقاش داخل إسرائيل حول مستقبل المواجهة في الشمال، وقدرة الجيش على خوض حروب متعددة الجبهات في ظل استنزاف مستمر منذ سنوات.
اعترافات غير مسبوقة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية
التقارير المسربة من داخل القيادة الشمالية الإسرائيلية عكست حالة صدمة حقيقية لدى كبار القادة العسكريين. فقد أقر اللواء رافي ميلو، قائد المنطقة الشمالية، بأن التقديرات التي أعقبت عملية “سهام الشمال” كانت “متفائلة أكثر من اللازم”، معترفًا بوجود فجوة ضخمة بين ما اعتقدته إسرائيل عن وضع حزب الله، وبين الواقع الذي واجهته القوات الإسرائيلية على الأرض.
هذا الاعتراف لم يكن معزولًا، بل جاء متزامنًا مع انتقادات حادة داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها، بعدما تبين أن حزب الله ما زال يمتلك منظومة قيادة وسيطرة متماسكة قادرة على إصدار الأوامر وتنسيق الهجمات وإدارة النيران بصورة منظمة. وهو ما نسف الرواية الإسرائيلية التي تحدثت سابقًا عن “شل قدرات الحزب” أو تدمير بنيته العملياتية بالكامل.
حزب الله يعيد بناء قوته بسرعة أربكت تل أبيب
بحسب شهادات لضباط احتياط إسرائيليين، فإن المفاجأة الكبرى تمثلت في سرعة إعادة حزب الله لترميم بنيته العسكرية في القرى الجنوبية، حتى تلك التي تعرضت لقصف مكثف خلال العمليات السابقة. التقارير تحدثت عن إعادة نشر للأسلحة، وتجهيز مواقع قتالية جديدة، واستعادة خطوط الإمداد بوتيرة أسرع مما توقعته المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
كما أكدت تقارير إسرائيلية أن مقاتلي الحزب حافظوا على تكتيكات معقدة في القتال، تقوم على استدراج القوات الإسرائيلية إلى مناطق مكشوفة ثم استهدافها بصواريخ مضادة للدروع ونيران دقيقة من مسافات بعيدة. هذا الأسلوب جعل التقدم البري الإسرائيلي بطيئًا ومكلفًا، وأجبر الجيش على توسيع نطاق انتشاره في مناطق جبلية معقدة جغرافيًا، ما زاد حجم الخسائر والضغوط الميدانية.
فشل استخباراتي وجبهة داخلية مرتبكة
الصحف الإسرائيلية المقربة من المؤسسة الأمنية تحدثت بوضوح عن خلل استخباراتي واسع رافق الحرب. بعض التقارير كشفت أن الاستخبارات العسكرية رصدت بالفعل تحركات قوات “الرضوان” التابعة لحزب الله باتجاه الجنوب، لكنها لم تحصل على موافقة لتنفيذ ضربات استباقية قبل اندلاع المواجهة.
وفي الوقت نفسه، ظهرت أزمة الجبهة الداخلية الإسرائيلية بصورة لافتة، حيث تصاعدت احتجاجات عائلات الجنود، خاصة بعد اتهامات للحكومة بتعريض القوات لمخاطر غير مبررة دون دعم عسكري كافٍ. كما تعرضت قيادة الجبهة الداخلية ووحدات الإعلام العسكري لانتقادات بسبب فشلها في احتواء حالة الذعر والقلق داخل المستوطنات الشمالية التي تعرضت للقصف المستمر.
حرب استنزاف طويلة بدلًا من الحسم السريع
التقديرات الإسرائيلية الأولية كانت تقوم على تنفيذ عملية خاطفة ضد لبنان قبل التفرغ لاحقًا للتصعيد مع إيران، لكن التطورات الميدانية قلبت الحسابات بالكامل. فبدلًا من معركة قصيرة وحاسمة، وجدت إسرائيل نفسها في حرب استنزاف طويلة استنزفت القوات والموارد والقدرات اللوجستية.
التقارير العسكرية أكدت أن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى تقسيم قواته والتوغل بشكل أعمق في الجنوب اللبناني بسبب كثافة نيران حزب الله، خاصة صواريخ “ألماس” المضادة للدروع التي يصل مداها إلى نحو 10 كيلومترات، ما جعل حتى المواقع الخلفية الإسرائيلية عرضة للخطر. كما ساهمت الطبيعة الجبلية والأحوال الجوية السيئة في إبطاء حركة المدرعات والمشاة، وهو ما منح حزب الله أفضلية تكتيكية واضحة في عدة محاور.
ماذا تعني هذه التطورات للمنطقة؟
ما كشفته الحرب يتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لأنه يعكس تحولًا استراتيجيًا في ميزان الردع على الجبهة الشمالية لإسرائيل. فصمود حزب الله رغم الضربات المكثفة يعني أن أي حرب مستقبلية قد تكون أكثر تعقيدًا وكلفة بالنسبة لتل أبيب، خاصة مع استمرار التوتر الإقليمي وتعدد الجبهات المفتوحة.
كما أن الاعتراف الإسرائيلي بالعجز عن تحقيق حسم سريع يثير تساؤلات حول قدرة الجيش على مواجهة صراعات طويلة ومتزامنة، سواء في لبنان أو غزة أو حتى مع إيران. وهذا قد يدفع إسرائيل مستقبلاً إلى إعادة تقييم عقيدتها العسكرية بالكامل، خصوصًا في ما يتعلق بالحروب البرية والاعتماد المفرط على التفوق الجوي والاستخباراتي.
السيناريو المتوقع.. هدوء مؤقت أم انفجار أكبر؟
رغم التوصل إلى تهدئة نسبية، إلا أن المؤشرات القادمة من الحدود الشمالية لا توحي بانتهاء الأزمة بشكل كامل. فإسرائيل تبدو منشغلة حاليًا بإعادة تقييم إخفاقاتها العسكرية، بينما يواصل حزب الله تعزيز صورته كقوة قادرة على الصمود والمناورة تحت الضغط.
السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار حالة الردع المتبادل مع احتمالات مرتفعة لعودة التصعيد في أي لحظة، خاصة إذا فشلت الجهود السياسية في احتواء التوتر. وفي حال اندلاع مواجهة جديدة، فإن التجربة الأخيرة تشير إلى أن الحرب المقبلة قد تكون أكثر شراسة واتساعًا، ليس فقط على مستوى لبنان وإسرائيل، بل على مستوى الإقليم بأكمله.


