ثورة الدعاية الرقمية: كيف حوّل الذكاء الاصطناعي حساب ترامب إلى ماكينة دعاية اصطناعية تعيد رسم السياسة الأمريكية
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، يشهد الخطاب السياسي الأمريكي تحولًا غير مسبوق مع استخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للذكاء الاصطناعي في إنتاج موجة ضخمة من الصور والمقاطع البصرية عبر منصته “تروث سوشيال”، في ما وصفه خبراء بـ”آلة الدعاية الاصطناعية”. ويكشف التقرير أن ترامب نشر خلال عام ٢٠٢٦ آلاف المنشورات، بينها عشرات الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، في تسارع كبير يعكس تحولًا جذريًا في أسلوب التواصل السياسي، حيث لم يعد الخطاب يعتمد فقط على الكلمات، بل على مشاهد بصرية مصممة لإثارة الانتباه، وتضخيم صورته الشخصية، وتشويه خصومه السياسيين. هذا التطور يفتح نقاشًا واسعًا حول حدود الحقيقة في الخطاب السياسي، ودور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الرأي العام داخل الولايات المتحدة وخارجها.
من السياسة التقليدية إلى “الواقع المصنوع بالذكاء الاصطناعي”
يكشف التقرير أن دونالد ترامب يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحويل حسابه على منصة “تروث سوشيال” إلى ساحة مليئة بالمشاهد الخيالية التي تمزج بين السياسة والدراما البصرية. هذه المنشورات لا تقتصر على النصوص أو التصريحات، بل تتضمن صورًا لحروب متخيلة، ولقطات رمزية تصور ترامب في أدوار بطولية أو قيادية خارقة. ويؤكد خبراء الإعلام أن هذا النمط يمثل انتقالًا من السياسة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ”الواقع المصنوع”، حيث تصبح الصورة أهم من الحدث الحقيقي نفسه، ويصبح التأثير العاطفي أداة رئيسية في تشكيل الرأي العام بدلًا من المعلومات المباشرة.

تسارع غير مسبوق في استخدام المحتوى الاصطناعي
بحسب تحليل صحيفة «فايننشال تايمز»، نشر ترامب أكثر من ٢٧٠٠ منشور خلال عام ٢٠٢٦، بمعدل يتجاوز ١٩ منشورًا يوميًا، نصفها تقريبًا يحتوي على صور أو مقاطع فيديو، بينها عدد متزايد من المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي. وتشير البيانات إلى أن عدد هذه الصور تضاعف عدة مرات خلال شهر مايو فقط، ما يعكس تسارعًا لافتًا في استخدام هذه الأدوات. ويرى محللون أن هذا السيل من المحتوى لا يهدف فقط إلى التواصل السياسي، بل إلى الهيمنة على ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، عبر إنتاج تدفق مستمر من الصور المثيرة التي تضمن بقاء ترامب في صدارة المشهد الإعلامي الرقمي طوال الوقت.

الدعاية البصرية كسلاح سياسي جديد
يشير خبراء في الإعلام الرقمي إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في منشورات ترامب لا يقتصر على الترفيه أو الاستفزاز، بل يشكل أداة دعاية سياسية متكاملة. فهذه الصور غالبًا ما تُظهره في صورة القائد القوي، أو البطل العسكري، أو حتى الرموز الدينية، في مقابل تصوير خصومه السياسيين في مشاهد ساخرة أو مهينة. هذا النمط، وفق باحثين، يعيد إنتاج أساليب الدعاية الكلاسيكية التي استخدمتها أنظمة سلطوية، لكن باستخدام أدوات حديثة تسمح بسرعة إنتاج هائلة وانتشار واسع. ويؤكد خبراء أن هذه الاستراتيجية تجعل الخط الفاصل بين الحقيقة والتصميم الرقمي أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
بين الرمزية الدينية وصناعة “الأسطورة الشخصية”
من أكثر الجوانب إثارة للجدل في هذه الظاهرة استخدام ترامب صورًا ذات طابع ديني أو رمزي، حيث ظهر في بعض المنشورات على هيئة شخصيات شبيهة بالقديسين أو الزعماء الروحيين، بل وحتى في صور تجمعه بشخصيات دينية. ويعتبر محللون أن هذه الصور تهدف إلى بناء “أسطورة شخصية” تتجاوز السياسة التقليدية، حيث يتم تقديمه كرمز للخلاص أو القوة أو الإصلاح. هذا الاستخدام المكثف للرموز الدينية والسياسية في آن واحد أثار انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة، خاصة من بعض الدوائر المحافظة التي رأت فيه تجاوزًا للحدود التقليدية في الخطاب السياسي.
الذكاء الاصطناعي وتآكل حدود الحقيقة السياسية
يحذر خبراء الإعلام من أن هذا النوع من المحتوى قد يؤدي إلى تآكل الثقة العامة في المعلومات السياسية، حيث يصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين الصورة الحقيقية والمصممة رقميًا. كما يشيرون إلى أن حتى إدراك الجمهور لكون المحتوى مزيفًا لا يمنع تأثيره النفسي والسياسي. هذا التطور يضع الديمقراطية أمام تحدٍ جديد، يتمثل في قدرة السياسيين على إعادة تشكيل الواقع بصريًا، وليس فقط سرديًا. ومع استمرار توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الحملات السياسية، قد يصبح التحكم في الرواية العامة أكثر تعقيدًا، وأقل ارتباطًا بالحقائق الميدانية.

تحليل: ماذا يعني هذا التحول للمستقبل السياسي؟
يشير هذا التحول إلى دخول السياسة العالمية مرحلة جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا مع الخطاب السياسي بشكل غير مسبوق. استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الصور السياسية يعني أن الحملات الانتخابية لم تعد تعتمد فقط على البرامج والخطابات، بل على القدرة على خلق عوالم بصرية مؤثرة وسريعة الانتشار. هذا قد يمنح ميزة كبيرة للسياسيين القادرين على التحكم في المنصات الرقمية، لكنه في المقابل يهدد بتوسيع فجوة المعلومات وزيادة الاستقطاب السياسي. السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار هذا الاتجاه وتطوره إلى شكل أكثر تعقيدًا من “السياسة البصرية”، حيث تصبح الصورة المصممة رقميًا أداة رئيسية في تشكيل الوعي السياسي داخل المجتمعات.



