روبيو يضغط على الناتو ويثير شكوكًا حول مستقبل التحالف بعد حرب إيران وخلافات داخلية حادة
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة The Washington Times، شهد اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي الأخير في السويد تصاعدًا غير مسبوق في التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها داخل الناتو، بعد تصريحات قوية أدلى بها وزير الخارجية الأميركي Marco Rubio، ألمح فيها إلى إعادة تقييم جدوى التحالف بالنسبة لواشنطن. وتأتي هذه التطورات في ظل تداعيات الحرب مع إيران، التي بدأت في فبراير الماضي، وما رافقها من خلافات حادة حول استخدام القواعد العسكرية والدعم اللوجستي، ما فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الطرفين.
شكوك أميركية متزايدة حول جدوى الناتو
أوضح روبيو خلال مؤتمر صحفي في السويد أن أحد الأسس التي قامت عليها قيمة الناتو بالنسبة للولايات المتحدة هو توفير القواعد العسكرية داخل أراضي الحلفاء، والتي تمنح واشنطن مرونة لوجستية في العمليات العسكرية. لكنه أشار إلى أن رفض بعض الدول استخدام تلك القواعد خلال الحرب الأخيرة في إيران يطرح تساؤلات جدية حول جدوى التحالف. هذا التصريح يعكس تحولًا في الخطاب الأميركي، حيث لم يعد الناتو يُنظر إليه فقط كتحالف دفاعي ثابت، بل كمنظومة قابلة لإعادة التقييم حسب المصالح العسكرية المباشرة لواشنطن.
حرب إيران تكشف تصدعات داخل الحلف الغربي
التوترات الحالية تعود في جزء كبير منها إلى الحرب التي اندلعت في 28 فبراير ضد إيران، والمعروفة أميركيًا باسم “عملية الغضب الأقصى”. بعض الدول الأوروبية رفضت دعم العمليات الأميركية، معتبرة أن الحرب لم يتم التشاور بشأنها بالشكل الكافي. هذا الموقف أدى إلى شعور داخل الإدارة الأميركية بأن الحلفاء الأوروبيين لا يقدمون الدعم المطلوب في الأزمات الكبرى. الرئيس الأميركي Donald Trump صعّد لهجته أيضًا، واصفًا الناتو بأنه “قوة شكلية” لا ترقى لمستوى التحديات الحالية.
إعادة انتشار القوات الأميركية تثير ارتباكًا داخل أوروبا
ضمن هذا السياق، بدأت واشنطن بالفعل في إعادة تقييم انتشار قواتها في أوروبا، وهو ما أثار قلقًا واسعًا داخل بعض العواصم الأوروبية. فقد أعلن البيت الأبيض عن خطط لسحب جزء من القوات من ألمانيا، مقابل تعزيز الوجود العسكري في بولندا. هذا التحرك اعتبره البعض رسالة سياسية أكثر منه مجرد تعديل عسكري، إذ يعكس تحولًا في أولويات الولايات المتحدة نحو مناطق أخرى مثل المحيطين الهندي والهادئ والشرق الأوسط، على حساب أوروبا التقليدية.
أوروبا بين الضغوط الأميركية والانقسام الداخلي
ردود الفعل الأوروبية على هذه التحولات جاءت متباينة. فبينما رحبت بولندا بزيادة الوجود العسكري الأميركي، عبّرت دول أخرى مثل السويد عن قلقها من “عدم وضوح” السياسة الأميركية الجديدة. هذا التباين يعكس حالة انقسام داخل الناتو نفسه حول كيفية التعامل مع واشنطن في ظل الإدارة الحالية. كما أن بعض الدول ترى أن النهج الأميركي الجديد قد يضعف من قدرة الحلف على اتخاذ قرارات جماعية موحدة في الأزمات المستقبلية.
ترامب وروبيو يعيدان تعريف دور الناتو عالميًا
تصريحات ترامب وروبيو تشير إلى محاولة لإعادة صياغة دور الناتو من تحالف دائم إلى شراكة مشروطة بالمصالح المباشرة للولايات المتحدة. فبينما يؤكد روبيو أن واشنطن لا تسعى لمعاقبة الحلفاء، فإنه يشدد على ضرورة “إعادة تقييم” الوجود العسكري الأميركي باستمرار. هذا التوجه قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الغربية، خصوصًا إذا استمرت الخلافات حول إدارة الأزمات الدولية مثل الحرب في إيران وأمن الممرات البحرية.

ماذا يعني ذلك لمستقبل الأمن العالمي
تحمل هذه التطورات دلالات عميقة على مستقبل النظام الأمني العالمي. فإذا استمرت التوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها داخل الناتو، فقد نشهد تراجعًا في قوة التحالف التقليدي الذي شكل العمود الفقري للأمن الغربي لعقود. السيناريو المحتمل هو انتقال العالم إلى نظام أكثر تعددية، حيث تعتمد الدول الأوروبية بشكل أكبر على قدراتها الذاتية أو على شراكات بديلة، بينما تعيد الولايات المتحدة توجيه استراتيجيتها نحو مناطق تعتبرها أكثر حيوية لمصالحها.
في المحصلة، يبدو أن الناتو يواجه اختبارًا حقيقيًا قد يحدد ملامح دوره خلال العقود القادمة، بين الحفاظ على وحدته أو الدخول في مرحلة إعادة تعريف شاملة لمهامه وهويته.



