فن الصفقة وصناعة السياسة الأميركية بين عقلية رجل الأعمال وحدود الدولة
تعكس الخلفية التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بوصفه “صانع صفقات” ذات طابع استعراضي، أسلوبه في إدارة العلاقات الدولية، لكنها لا تجعله بالضرورة أكثر أو أقل كفاءة من غيره، بل تغيّر فقط معنى “الكفاءة” نفسها. ففي عالم الأعمال، تقوم الصفقات على الربح السريع، والضغط، والنتائج القابلة للقياس، بينما تعتمد السياسة الخارجية على بناء الثقة، والاستقرار طويل الأمد، والالتزامات الأمنية المعقدة. هذا التباين يخلق فجوة واضحة بين منطق التفاوض التجاري ومنطق إدارة الدولة. التقرير يوضح كيف انعكس هذا الأسلوب على سياسات مثل الاتفاق النووي مع إيران، وعلاقات الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية، وحلف شمال الأطلسي، والحرب في أوكرانيا، وما إذا كان “فن الصفقة” يصلح فعلاً كأداة لإدارة النظام الدولي.
عقلية الصفقة بين الربح السريع وبناء الدولة
يرتكز نموذج “فن الصفقة” على مجموعة مبادئ مثل البدء بطلبات قصوى، وتوسيع الخيارات، واستخدام الضغط، وإضعاف بدائل الطرف الآخر، وإظهار عدم القدرة على التنبؤ، والتهديد بالانسحاب، والتحكم في السرد الإعلامي. هذه الأدوات قد تكون فعالة في بيئات تجارية محدودة، لكنها تصبح أكثر تعقيداً عندما تُطبّق على العلاقات بين الدول. فالدول لا تتعامل مع عقود مالية فقط، بل مع قضايا سيادة وأمن وبقاء سياسي. وهنا تظهر المشكلة الأساسية: ما ينجح في سوق العقارات لا ينجح بالضرورة في إدارة تحالفات عسكرية أو منع انتشار الأسلحة النووية.

الاتفاق النووي مع إيران وكلفة الضغط الأقصى
يُقدَّم انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي مع إيران كأحد تطبيقات منطق “إضعاف بديل الطرف الآخر”. الفكرة كانت أن الضغط الاقتصادي سيجبر طهران على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أفضل. لكن النتيجة كانت أكثر تعقيداً، إذ واصلت إيران تطوير برنامجها النووي بدلاً من التراجع، ما جعل المشكلة الأمنية أكثر خطورة مع مرور الوقت. هنا يظهر التناقض بين الهدف المعلن والنتيجة الفعلية، حيث لم يؤدِ الضغط إلى صفقة أفضل، بل إلى تقليل جدوى الاتفاق ذاته.
كوريا الشمالية والقمة الرمزية بدل الحلول الفعلية
في حالة كوريا الشمالية، اعتمدت السياسة على القمم المباشرة واللقاءات الإعلامية الكبيرة بهدف تحقيق “نزع سلاح نووي شامل وسريع”. لكن غياب خطوات تدريجية أو ضمانات طويلة الأمد جعل النتائج محدودة. احتفظت بيونغ يانغ بقدراتها النووية، بل طورتها لاحقاً. هذا المثال يعكس فجوة أساسية بين منطق الصورة السياسية السريعة ومنطق بناء التفاهمات الأمنية المعقدة التي تحتاج إلى سنوات من الثقة والتدرج.
حلف الناتو وضغط الشراكة غير المتوازنة
في إطار حلف شمال الأطلسي، استخدمت الإدارة الأميركية خطاب الضغط على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي و”تحمل نصيبهم العادل”. ورغم أن بعض الدول زادت ميزانياتها العسكرية بالفعل، فإن هذا النهج أثار تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة طويل الأمد بالدفاع الجماعي. فالقوة في التحالفات لا تقاس فقط بالمال، بل بالثقة المتبادلة في الالتزام بالمادة الخامسة، وهي الثقة التي يمكن أن تتآكل مع التهديد المستمر بالانسحاب.
أوكرانيا وحدود التهديد بالانسحاب
في ملف أوكرانيا، يطرح منطق “الضغط عبر التهديد بالانسحاب” فكرة إجبار كييف وموسكو على التفاوض. لكن المشكلة أن تقليل الدعم الأميركي لا يؤدي بالضرورة إلى تسوية، بل قد يغيّر ميزان القوى لصالح أحد الأطراف أو يدفع الصراع إلى مزيد من التصعيد. وفي النظام الدولي، الانسحاب لا يُعتبر خطوة تفاوضية محايدة، بل رسالة استراتيجية تؤثر على حسابات الخصوم والحلفاء معاً.
الفرق الجوهري بين العقارات والنظام الدولي
الاختلاف الأساسي بين منطق العقارات ومنطق السياسة الدولية يكمن في طبيعة النظام نفسه. في الأعمال التجارية توجد محاكم وعقود وإمكانية للإفلاس وإعادة التفاوض، بينما في العلاقات الدولية لا توجد سلطة عليا تفرض الالتزام. الدول لا تستطيع “الخروج من السوق”، ولا يمكنها تغيير جغرافيتها أو تحالفاتها بسهولة. لذلك تصبح السمعة والموثوقية عناصر حاسمة لا يمكن تعويضها بسهولة، بعكس عالم الأعمال حيث يمكن إعادة بناء السجل التجاري.
زاوية تحليلية: ماذا يعني ذلك للعالم؟
يشير هذا النمط من إدارة السياسة الخارجية إلى تحول في طبيعة الدبلوماسية نحو منطق أكثر صدامية وأقل اعتماداً على المؤسسات. إذا استمر هذا الاتجاه، فقد يؤدي إلى إضعاف الثقة داخل التحالفات الغربية، وزيادة هامش المخاطرة لدى الخصوم مثل الصين وإيران وروسيا. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الصفقات الجزئية قصيرة المدى، مقابل تآكل تدريجي في بنية الردع والتحالفات طويلة الأمد، ما يخلق نظاماً دولياً أقل استقراراً وأكثر تقلباً.



