أوروبا تستعد لحروب الدرونات.. هولندا تكشف مركبة قتالية ذكية قادرة على إسقاط أسراب الطائرات المسيّرة بتكلفة صادمة
وفقًا لتقرير نشرته منصة Defense Blog الأمريكية، كشفت شركة Dutch Military Vehicles الهولندية عن مركبتها العسكرية الجديدة DMV Tasman، المزودة بمنظومة متطورة مضادة للطائرات المسيّرة، في خطوة تعكس التحول السريع داخل الجيوش الأوروبية نحو مواجهة تهديدات الدرونات التي أعادت تشكيل ساحات القتال الحديثة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. المركبة الجديدة، المبنية على منصة عسكرية من KIA Special Vehicles، لم تكن مجرد عرض تقني عابر، بل رسالة واضحة بأن الحروب القادمة لن تُحسم فقط بالدبابات والطائرات التقليدية، بل بمنظومات ذكية قادرة على إسقاط أسراب كاملة من الطائرات بدون طيار بسرعة وتكلفة منخفضة للغاية.
ويأتي الكشف عن المركبة في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل حلف NATO من الانتشار الهائل للطائرات المسيّرة الانتحارية والرخيصة، خاصة بعد التجارب القاسية التي شهدتها الحرب الأوكرانية والهجمات التي نفذتها مسيرات من طراز “شاهد” الإيرانية ودرونات FPV الروسية. ولهذا تبدو DMV Tasman وكأنها جزء من سباق أوروبي عاجل لبناء “درع متحرك” قادر على حماية القوات البرية من تهديدات لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي قبل سنوات قليلة فقط.

مركبة قتالية جديدة بقدرات هجومية ودفاعية متقدمة

المركبة الجديدة تعتمد على هيكل تكتيكي بوزن إجمالي يصل إلى 3500 كيلوجرام، مع تصميم عسكري متكامل يسمح لها بالعمل في البيئات القاسية والطرق الوعرة. وزُودت المركبة بأنظمة تشغيل عسكرية تشمل وضع الإخفاء الضوئي “Blackout”، وإمكانية عبور المياه عبر نظام Snorkel، إلى جانب مصدات فولاذية معززة، وونش سحب، وأنظمة هوائيات ومصدر طاقة كهربائي إضافي.
وتؤكد الشركة المطورة أن التصميم المعياري للمركبة يسمح بإعادة تهيئتها بسرعة لمهام متعددة، سواء كمركبة نقل تكتيكية أو منصة أسلحة متحركة، دون التأثير على قدرتها على المناورة الميدانية. هذا النوع من المرونة أصبح مطلبًا أساسيًا للجيوش الحديثة التي تسعى إلى امتلاك منصات قتال متعددة الوظائف بدلًا من الاعتماد على مركبات تقليدية محدودة المهام.

نظام “Bullfrog”.. الذكاء الاصطناعي يدخل معركة إسقاط الدرونات

أبرز ما يميز المركبة هو تزويدها بمنظومة Bullfrog الأمريكية المطورة من قبل شركة Allen Control Systems، وهي محطة قتالية ذاتية التشغيل مضادة للطائرات المسيّرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية لاكتشاف وتتبع وتحييد الأهداف الجوية.
ويستخدم النظام رشاش M240 عيار 7.62 ملم، مع بقاء العنصر البشري داخل دائرة اتخاذ قرار إطلاق النار، وهو ما يحاول تحقيق توازن بين التشغيل الذاتي الكامل والرقابة البشرية التي تصر عليها معظم الجيوش الأوروبية عند التعامل مع الأنظمة القتالية المستقلة.
اللافت أن النظام لا يعتمد على الرادار التقليدي، بل يستخدم مستشعرات سلبية تمنع كشف موقع المركبة، ما يمنحها ميزة كبيرة في البيئات القتالية المليئة بالحرب الإلكترونية والاستهداف المضاد.
تكلفة إسقاط الدرونات تغيّر قواعد الحرب
أحد أخطر الجوانب التي كشفتها المنظومة الجديدة هو تكلفة الاشتباك المنخفضة للغاية، حيث تشير التقديرات إلى أن تكلفة إسقاط طائرة مسيّرة واحدة قد تصل إلى نحو 10 دولارات فقط. هذا الرقم يفسر لماذا أصبحت أنظمة الدفاع منخفضة التكلفة أولوية عاجلة للجيوش الغربية.
ففي الحروب الحديثة، تستطيع الطائرات المسيّرة الرخيصة استنزاف أنظمة الدفاع التقليدية التي تعتمد على صواريخ باهظة الثمن. ومن هنا تسعى الجيوش إلى تطوير حلول اقتصادية قادرة على مواجهة “حروب الاستنزاف بالدرونات”، خاصة مع إمكانية إطلاق عشرات أو مئات الطائرات الصغيرة في هجوم واحد.
ويعني ذلك أن المركبات الخفيفة المضادة للمسيّرات قد تصبح خلال السنوات المقبلة جزءًا أساسيًا من أي تشكيل عسكري، تمامًا كما أصبحت أنظمة الدفاع الجوي القصير ضرورية في العقود الماضية.
اختبارات أمريكية ناجحة تعزز ثقة الأوروبيين
النظام المضاد للطائرات المسيّرة لم يأتِ من فراغ، بل خضع بالفعل لاختبارات ميدانية ضمن مناورة Project Convergence Capstone 5 التي أجريت في Fort Irwin بولاية California الأمريكية عام 2025.
وخلال الاختبارات، نجح النظام في إسقاط سبع طائرات مسيّرة ضمن سيناريو هجوم متزامن، كما تمكن أكثر من 40 جنديًا من تعلم تشغيله خلال أقل من نصف ساعة، وهو ما يعكس سهولة دمجه داخل الوحدات القتالية دون الحاجة إلى تدريب معقد أو طويل.
كما اختبر الجيش الأمريكي النظام على دبابات M1A2 Abrams ومركبات M2A4 Bradley، ضمن جهود أوسع لحماية القوات المدرعة من هجمات الدرونات الانتحارية التي أصبحت تهدد حتى أكثر المركبات تطورًا.
ماذا يعني هذا التطور لأوروبا وحلف الناتو؟
ما يحدث اليوم داخل أوروبا ليس مجرد تحديث تقني محدود، بل تحول كامل في العقيدة العسكرية. فالحرب الأوكرانية أثبتت أن المركبات غير المزودة بحماية مضادة للمسيّرات أصبحت أهدافًا سهلة، وأن التفوق الجوي التقليدي لم يعد كافيًا لحماية القوات البرية.
ولهذا تسعى دول الناتو إلى بناء شبكة دفاع مرنة ومنخفضة التكلفة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأسلحة السريعة الاستجابة. ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة انتشارًا واسعًا لمركبات مشابهة لـ DMV Tasman داخل الجيوش الأوروبية، خاصة مع ارتفاع التهديدات المرتبطة بالدرونات الانتحارية وأسراب الطائرات الصغيرة.
كما أن اعتماد منصة تعتمد على مركبة خفيفة وتجارية الأساس مثل KIA يعكس اتجاهًا جديدًا نحو تقليل تكاليف الإنتاج وتسريع إدخال الأنظمة القتالية إلى الخدمة بدلًا من انتظار برامج تسليح ضخمة تستغرق سنوات طويلة.
السيناريو المتوقع.. سباق عالمي نحو “جيوش مضادة للدرونات”

السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة هو تحول أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة إلى سوق عسكرية ضخمة تتنافس فيها الشركات الغربية والآسيوية على تطوير منصات أرخص وأكثر ذكاءً. ومع تزايد استخدام الدرونات في النزاعات الحديثة، ستصبح القدرة على إسقاطها بسرعة وبتكلفة منخفضة معيارًا حاسمًا لتقييم جاهزية أي جيش.
كما يتوقع أن تدفع هذه التطورات خصوم الناتو إلى تطوير طائرات أكثر تعقيدًا وقدرة على التشويش والمناورة، ما سيدخل العالم في سباق تقني جديد بين “الدرون” و”مضاد الدرون”، يشبه إلى حد كبير سباقات التسلح الجوي خلال الحرب الباردة، لكن بأدوات أصغر وأكثر انتشارًا وأقل تكلفة.



