انهيار غير مسبوق لقوات حفظ السلام.. الأمم المتحدة تواجه أخطر أزمة تمويل ونفوذ منذ ربع قرن
وفقًا لتقرير نشرته وكالة Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI)، شهدت قوات حفظ السلام الدولية خلال عام 2025 تراجعًا حادًا في أعداد الأفراد المنتشرين حول العالم، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من 25 عامًا، في مؤشر وصفه مراقبون بأنه يعكس أزمة عميقة تضرب منظومة الأمن الجماعي التي تقودها الأمم المتحدة. ويأتي هذا التراجع في وقت تتصاعد فيه النزاعات المسلحة في مناطق متعددة من العالم، من الشرق الأوسط إلى إفريقيا وأوكرانيا، بينما تواجه عمليات حفظ السلام نقصًا حادًا في التمويل وانقسامات سياسية حادة بين القوى الكبرى.
التقرير كشف أن عدد العسكريين والشرطة المشاركين في عمليات حفظ السلام الدولية انخفض إلى نحو 78 ألف عنصر فقط بنهاية عام 2025، بتراجع بلغ 17% مقارنة بالعام السابق، وبانخفاض يقارب 50% مقارنة بعام 2016. هذا الانخفاض لا يعكس مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل يشير إلى تغير جذري في طريقة تعامل القوى الدولية مع إدارة النزاعات، وسط تصاعد الشكوك حول قدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على دورها التقليدي كضامن للاستقرار العالمي.

أزمة تمويل تضرب قلب عمليات حفظ السلام
يربط تقرير Stockholm International Peace Research Institute التراجع الكبير في أعداد قوات حفظ السلام بأزمة تمويل خانقة تواجه الأمم المتحدة، نتيجة تأخر أو امتناع بعض الدول الكبرى عن سداد مساهماتها المالية. ووفقًا للتقرير، بلغ العجز في ميزانية عمليات حفظ السلام نحو ملياري دولار مع بداية النصف الثاني من عام 2025، ما أجبر المنظمة الدولية على تقليص الإنفاق وتقليل أعداد القوات في عدة بعثات رئيسية.
وتسببت الأزمة المالية في إضعاف قدرات بعثات الأمم المتحدة على تنفيذ مهامها الأساسية، سواء في حماية المدنيين أو مراقبة اتفاقات وقف إطلاق النار أو دعم الاستقرار السياسي. كما أدى خفض الميزانية إلى تقليص المعدات والخدمات اللوجستية والدعم الميداني، ما أثار مخاوف من تحول بعض المناطق الهشة إلى ساحات مفتوحة للفوضى والصراعات المسلحة مجددًا.
تصاعد التوترات الجيوسياسية يهدد النظام الدولي
التقرير أشار أيضًا إلى أن الأزمة الحالية لا تتعلق بالمال فقط، بل ترتبط بشكل مباشر بحالة الانقسام الجيوسياسي العالمي. فالتوتر المتزايد بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، أدى إلى تعطيل قدرة مجلس الأمن على اتخاذ قرارات موحدة بشأن النزاعات الدولية.
كما اتهم التقرير الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة Donald Trump باتخاذ خطوات أضعفت مؤسسات الأمم المتحدة، من خلال تقليص الدعم المالي والتشكيك في فعالية المنظمات متعددة الأطراف. وفي المقابل، تواجه أوروبا تحديات اقتصادية وأمنية تجعلها أقل قدرة على تعويض هذا الفراغ، بينما تواصل روسيا والصين توسيع نفوذهما بطرق لا تعتمد بالضرورة على آليات الأمم المتحدة التقليدية.
إفريقيا تتحمل العبء الأكبر للفوضى الأمنية
بحسب بيانات التقرير، تستضيف منطقة إفريقيا جنوب الصحراء نحو 70% من إجمالي قوات حفظ السلام المنتشرة عالميًا، ما يجعلها الأكثر تأثرًا بأي تقليص في القدرات الدولية. وتعد بعثتا United Nations Mission in South Sudan وUnited Nations Multidimensional Integrated Stabilization Mission in the Central African Republic من أكبر العمليات متعددة الجنسيات حاليًا.
لكن تراجع التمويل وتزايد التدخلات الخارجية، خاصة الروسية، يضعان مستقبل هذه العمليات على المحك. ويحذر خبراء من أن انهيار منظومة حفظ السلام في إفريقيا قد يؤدي إلى تصاعد الحروب الأهلية وانتشار الجماعات المسلحة والهجرة غير الشرعية، بما يهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
قوات الجنوب العالمي تتصدر المشهد
في تحول لافت، كشف التقرير أن أكبر المساهمين بقوات حفظ السلام لم يعودوا من الدول الغربية، بل من دول الجنوب العالمي، وعلى رأسها Uganda وNepal وBangladesh وIndia. وتشير هذه الأرقام إلى تغير تدريجي في موازين النفوذ داخل منظومة الأمن الدولي، حيث تتحمل الدول النامية العبء الأكبر ميدانيًا، بينما تتراجع القوى الكبرى سياسيًا وماليًا.
ويرى محللون أن هذا التحول قد يعيد تشكيل طبيعة عمليات حفظ السلام مستقبلًا، سواء من حيث القيادة أو التمويل أو حتى طبيعة المهام الموكلة للقوات المنتشرة في مناطق النزاع.
هل يقترب عصر الأمم المتحدة من نقطة التحول؟
التراجع الحاد في عمليات حفظ السلام يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول مستقبل النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالأمم المتحدة التي لعبت لعقود دور الوسيط والحارس للاستقرار العالمي تبدو اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي، خاصة مع تنامي النزعات القومية وتراجع الثقة في العمل الجماعي الدولي.
السيناريو المتوقع خلال السنوات المقبلة قد يشهد انتقالًا تدريجيًا نحو نماذج إقليمية لإدارة النزاعات بدلًا من الاعتماد الكامل على الأمم المتحدة. لكن خبراء يحذرون من أن المنظمات الإقليمية لا تمتلك حتى الآن القدرات السياسية أو العسكرية أو التمويلية الكافية لسد الفراغ، ما قد يؤدي إلى زيادة عدد النزاعات وتعقيد الأزمات الإنسانية حول العالم.
وفي ظل استمرار الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا وإفريقيا، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الصراعات، بينما تتقدم حسابات القوة والمصالح الجيوسياسية على حساب مفاهيم الأمن الجماعي والسلام الدولي.



