غزو الروبوتات يبدأ من شوارع لوس أنجلوس.. سكان المدينة بين التعاطف والغضب بسبب عمال التوصيل الآليين
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تعيش مدينة لوس أنجلوس الأميركية تحولًا غير مسبوق مع الانتشار السريع لروبوتات توصيل الطعام في الشوارع والأرصفة، وسط حالة انقسام حادة بين السكان الذين يرون فيها مستقبل التكنولوجيا الحديثة، وآخرين يعتبرونها تهديدًا جديدًا للحياة اليومية وفرص العمل وسلامة المشاة.
التقرير يكشف أن المدينة، التي تُعرف أصلًا بضعف البنية المخصصة للمشي واعتمادها الكبير على السيارات، أصبحت اليوم تواجه موجة جديدة من الازدحام التكنولوجي، بعدما غزت مئات الروبوتات الأرصفة لنقل الطلبات من المطاعم والمقاهي إلى المنازل. وبينما تتوسع الشركات المشغلة بسرعة مدفوعة بثورة الذكاء الاصطناعي والأتمتة، تتصاعد المخاوف من أن تتحول الأرصفة إلى ساحات صراع بين البشر والآلات، في مشهد يبدو وكأنه خرج من أفلام الخيال العلمي.
روبوتات التوصيل تنتشر بسرعة قياسية

شركات التكنولوجيا العاملة في مجال التوصيل الذكي ضاعفت وجودها داخل لوس أنجلوس خلال فترة قصيرة جدًا.
إحدى الشركات الرائدة دفعت بمئات الروبوتات الجديدة إلى عشرات الأحياء، بعدما كانت تعمل في نطاق محدود قبل سنوات قليلة فقط. كما تسعى شركات أخرى للتوسع بقوة مستفيدة من الطلب المتزايد على خدمات التوصيل السريع منخفضة التكلفة.
هذه الروبوتات الصغيرة، التي تتحرك على الأرصفة بعجلات وكاميرات وأجهزة استشعار، أصبحت مشهدًا يوميًا في الشوارع التجارية والمناطق المزدحمة، حيث تنقل الطعام والمشروبات والطلبات المختلفة دون أي سائق بشري.
السكان: نكرهها ونتعاطف معها في الوقت نفسه
اللافت في التقرير أن العلاقة بين السكان والروبوتات تبدو شديدة التناقض.
فالكثير من العاملين وأصحاب المطاعم يشكون من أنها تعطل حركة المشاة وتخلق فوضى في الأماكن الضيقة والمزدحمة، خاصة في المقاهي والمطاعم التي تعتمد على الجلسات الخارجية.
لكن في المقابل، يجد بعض السكان صعوبة في كره هذه الآلات بالكامل بسبب تصميمها اللطيف وطريقتها في التفاعل مع البشر، مثل عرض رسائل تطلب المساعدة عند عبور الشارع أو ظهورها وهي تكافح أثناء الأمطار والعوائق. هذا التفاعل الإنساني غير المقصود جعل البعض يتعامل معها كما لو كانت كائنات حية تستحق التعاطف، رغم تسببها في الإزعاج.
أزمة جديدة للمشاة وذوي الاحتياجات الخاصة

التوسع السريع للروبوتات أثار قلقًا خاصًا لدى المدافعين عن حقوق المشاة وذوي الإعاقة.
فالأرصفة في لوس أنجلوس تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية والزحام، ومع دخول الروبوتات إلى المشهد أصبحت الحركة أكثر تعقيدًا، خاصة لمستخدمي الكراسي المتحركة أو العائلات التي تتحرك مع الأطفال.
بعض المطاعم والعاملين أكدوا أن الروبوتات كثيرًا ما تتوقف بشكل مفاجئ أو تعلق وسط الحشود، ما يحولها إلى عوائق متحركة داخل المساحات العامة. كما ظهرت حوادث متفرقة تضمنت اصطدامات أو أضرارًا بسيطة، وهو ما يزيد الجدل حول مدى جاهزية المدن للتعامل مع هذا النوع من التكنولوجيا.
التكنولوجيا تهدد وظائف البشر

أحد أكثر الملفات حساسية يتمثل في تأثير الروبوتات على سوق العمل، خصوصًا سائقي التوصيل الذين يعتمدون على هذه الوظائف كمصدر دخل رئيسي.
المنتقدون يرون أن الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي والأتمتة لتقليل الاعتماد على العمالة البشرية وخفض التكاليف، حتى لو كان ذلك على حساب آلاف الوظائف.
في المقابل، ترد الشركات بأن الروبوتات تقلل الازدحام المروري والانبعاثات وتوفر خدمات أسرع وأكثر كفاءة، خاصة أثناء الظروف الجوية الصعبة أو فترات الذروة. لكن هذا التبرير لا يبدو مقنعًا للكثيرين الذين يعتبرون أن راحة التكنولوجيا تأتي على حساب البشر العاملين في الاقتصاد التقليدي.
هل نحن أمام بداية مدينة ما بعد البشر؟
التقرير يطرح سؤالًا أعمق يتعلق بشكل المدن المستقبلية.
فوجود روبوتات توصيل مستقلة، إلى جانب السيارات ذاتية القيادة والذكاء الاصطناعي المنتشر في كل شيء، يعني أن المدن الأميركية تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها المساحات البشرية التقليدية لصالح الأنظمة المؤتمتة.
بعض الباحثين بدأوا بالفعل في تطوير ما يُعرف بـمؤشر قابلية الروبوتات، وهو نظام لتقييم مدى قدرة الأحياء والمدن على استيعاب الروبوتات دون الإضرار بحركة الناس أو جودة الحياة. الفكرة تعكس حجم التحول القادم، حيث لم يعد السؤال هل ستنتشر الروبوتات، بل كيف يمكن التعايش معها.
مقاومة شعبية تتصاعد ضد غزو الآلات
ورغم محاولة الشركات تقديم الروبوتات باعتبارها جزءًا طبيعيًا من المستقبل، فإن أشكال المقاومة بدأت تظهر في الشارع الأميركي.
بعض السكان يتعمدون تعطيل الروبوتات أو العبث بها، بينما تطالب مدن ومجالس محلية بفرض قيود أو وقف مؤقت للتوسع حتى يتم تقييم التأثيرات الحقيقية على المجتمع والبنية التحتية.
منتقدو الظاهرة يرون أن المدن يجب أن تُبنى لخدمة البشر أولًا، لا لتحويل الأرصفة إلى ممرات تجارية للآلات. ويقول كثيرون إن الحل الأبسط ما زال قائمًا: اذهب بنفسك إلى المطعم بدل استبدال الإنسان بروبوت.
ماذا يعني هذا التطور؟.. والسيناريو المتوقع
ما يحدث في لوس أنجلوس قد يكون مجرد البداية لمرحلة عالمية جديدة من التمدن الآلي، حيث تصبح الروبوتات جزءًا يوميًا من الحياة العامة. وإذا نجحت التجربة اقتصاديًا، فمن المتوقع أن تنتشر بسرعة في مدن أميركية وأوروبية وآسيوية أخرى.
لكن في المقابل، ستزداد المعارك القانونية والاجتماعية حول حقوق المشاة، وسوق العمل، وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الفضاء العام. ومع توسع هذه التكنولوجيا، قد تجد الحكومات نفسها مضطرة لوضع قوانين جديدة تحدد كيف يمكن للإنسان والآلة أن يتشاركا الشارع نفسه دون صدام.



