واشنطن تتحرك لكبح إمبراطوريات التكنولوجيا.. دعوات لوضع ممثل حكومي داخل مجالس إدارة شركات الذكاء الاصطناعي والفضاء
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تتصاعد داخل الولايات المتحدة دعوات غير مسبوقة لإخضاع عمالقة التكنولوجيا لرقابة حكومية مباشرة، بعدما أصبحت شركات الذكاء الاصطناعي والفضاء تمتلك نفوذًا يوازي نفوذ الدول نفسها. التقرير يسلط الضوء على مخاوف متزايدة داخل الأوساط السياسية والأمنية الأميركية من أن تتحكم شركات خاصة مثل Anthropic وSpaceX في تقنيات شديدة الحساسية تمس الأمن القومي الأميركي والعالمي، دون وجود رقابة فعلية من الدولة على قراراتها المصيرية.
المقال الذي كتبه الخبير الأمني الأميركي ريتشارد فالكنراث، يرى أن الولايات المتحدة تواجه لحظة تاريخية شبيهة ببدايات عصر السلاح النووي، لكن الفارق أن التقنيات الجديدة لا تُدار هذه المرة من قبل الحكومات، بل بواسطة شركات خاصة تستطيع اتخاذ قرارات خطيرة منفردة، بدءًا من إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي خارقة وصولًا إلى التحكم في البنية التحتية الفضائية والأقمار الصناعية. لذلك يقترح الكاتب فرض وجود عضو حكومي داخل مجالس إدارات هذه الشركات الكبرى، يتم تعيينه من الرئيس الأميركي وموافقة مجلس الشيوخ، بهدف حماية الأمن القومي ومنع انفلات القوة التكنولوجية من يد الدولة.


التقرير يؤكد أن شركات التكنولوجيا الأميركية تجاوزت منذ سنوات دورها التقليدي كشركات خاصة، وأصبحت جزءًا أساسيًا من القوة الجيوسياسية الأميركية. شبكات الأقمار الصناعية، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية والبنية الرقمية أصبحت أدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن الجيوش أو الدولار الأميركي.

هذا التحول خلق معضلة غير مسبوقة؛ فالدولة الأميركية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على شركات خاصة في ملفات الأمن القومي والدفاع والتجسس والاتصالات، بينما لا تمتلك في المقابل سلطة كافية لمراقبة قرارات هذه الشركات أو التدخل السريع عند الضرورة. ويشير التقرير إلى أن هذه الشركات باتت قادرة على التأثير في الأمن العالمي وحتى تشكيل المجتمعات، دون وجود إطار رقابي يوازي حجم هذا النفوذ.
نموذج Mythos يثير الذعر داخل واشنطن
واحدة من أخطر النقاط التي تناولها التقرير تتعلق بشركة Anthropic، التي قررت مؤخرًا عدم طرح نموذج ذكاء اصطناعي متقدم يحمل اسم Mythos، بعدما تبيّن — وفقًا للتقرير — أنه قادر على استغلال آلاف الثغرات الأمنية المجهولة في أنظمة التشغيل العالمية.
هذه الواقعة اعتُبرت بمثابة جرس إنذار داخل الولايات المتحدة، لأنها كشفت أن قرارًا بحجم إطلاق أو إخفاء تقنية قد تهدد الأمن السيبراني العالمي أصبح في يد شركة خاصة فقط، وليس في يد الحكومة. الكاتب يرى أن قرار عدم نشر النموذج ربما كان صحيحًا، لكنه يطرح سؤالًا أخطر: ماذا لو امتلكت شركة أخرى أقل التزامًا نفس القوة التقنية مستقبلًا؟ ومن يضمن حينها عدم تسريب أو استخدام هذه القدرات بصورة كارثية؟
سباق الفضاء يزيد القلق الأميركي

القلق لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي فقط، بل يمتد أيضًا إلى قطاع الفضاء، خاصة مع توسع نفوذ شركة SpaceX التي أصبحت عنصرًا حيويًا في البنية الفضائية الأميركية. التقرير يشير إلى أن الشركة تستعد لخطوات توسعية ضخمة، بينما تظل البنية الأساسية لعمليات الإطلاق الفضائي تحت سيطرة شبه كاملة لشخص واحد، في إشارة إلى إيلون ماسك.

هذا الواقع يثير مخاوف داخل المؤسسات الأميركية من ترك ملفات استراتيجية شديدة الحساسية مرتبطة بالأمن العسكري والاتصالات العالمية بيد كيانات خاصة. ومع تصاعد الاعتماد الأميركي على الأقمار الصناعية التجارية في الحروب والاستخبارات والإنترنت، أصبحت شركات الفضاء جزءًا مباشرًا من الأمن القومي، وليس مجرد قطاع اقتصادي تقني.
لماذا ترى واشنطن أن القوانين الحالية فشلت؟
التقرير يهاجم الأدوات التقليدية التي تستخدمها الحكومات لمواجهة نفوذ الشركات العملاقة، معتبرًا أن قوانين الاحتكار أو الضرائب أو التنظيم التقليدي لم تعد كافية للتعامل مع عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الفضائية.
فالكاتب يرى أن تفكيك شركات التكنولوجيا الكبرى سيُضعف الولايات المتحدة أمام الصين التي تبني أبطالًا قوميين مدعومين من الدولة. كما أن القوانين التنظيمية غالبًا ما تأتي بعد إطلاق التكنولوجيا بالفعل، أي بعد وقوع الخطر. والأخطر أن الحكومات تعتمد في معلوماتها على ما تقرر الشركات نفسها الإفصاح عنه، ما يجعل الرقابة الحقيقية شبه مستحيلة.
لذلك يقترح إنشاء تصنيف جديد يُعرف باسم الكيانات التكنولوجية ذات الأهمية النظامية، ويشمل الشركات التي تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار أو تمتلك تقنيات تؤثر مباشرة في الأمن القومي.
ماذا يعني وجود ممثل حكومي داخل الشركات؟
المقترح الجديد يقوم على تعيين عضو داخل مجلس إدارة الشركات التكنولوجية الكبرى بواسطة الرئيس الأميركي وبموافقة مجلس الشيوخ، بحيث يمتلك حق التصويت الكامل والاطلاع على المعلومات الحساسة، مع مسؤولية إبلاغ الحكومة عند وجود تهديدات أو قرارات ذات تأثير استراتيجي.
الكاتب يؤكد أن الفكرة لا تعني تأميم الشركات أو فرض سيطرة حكومية مباشرة عليها، بل خلق قناة رقابية داخلية تضمن ألا تتحول هذه الكيانات إلى “دول داخل الدولة”. كما يشير إلى أن الولايات المتحدة سبق أن طبقت نماذج مشابهة في شركات الدفاع المملوكة لأجانب لحماية التكنولوجيا الحساسة من النفوذ الخارجي.
ماذا يعني هذا للعالم؟.. والسيناريو المتوقع
التحرك الأميركي المحتمل نحو تشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا يعكس بداية مرحلة عالمية جديدة تتعامل فيها الحكومات مع الذكاء الاصطناعي والفضاء باعتبارهما أدوات سيادة وطنية وليست مجرد قطاعات اقتصادية.
إذا تحولت هذه الأفكار إلى قوانين فعلية، فقد نشهد موجة عالمية من التدخل الحكومي داخل شركات التكنولوجيا الكبرى، خاصة مع تصاعد المنافسة بين واشنطن وبكين على الهيمنة الرقمية والعسكرية. كما قد يؤدي ذلك إلى إعادة رسم العلاقة بين الدولة والشركات العملاقة، بعد سنوات كانت فيها شركات التكنولوجيا تتحرك بحرية شبه كاملة.
وفي المقابل، يخشى كثيرون أن يفتح هذا الباب أمام توسع نفوذ الحكومات داخل القطاع الخاص بصورة قد تهدد الابتكار والحريات الاقتصادية، ما يعني أن العالم قد يدخل مرحلة جديدة من الصراع بين الأمن القومي وحرية التكنولوجيا.



