الاتحاد الأوروبي يدرس حرمان الأعضاء الجدد من حق الفيتو.. مخاوف من شلل سياسي مع التوسع المرتقب
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، يدرس الاتحاد الأوروبي خطوة غير مسبوقة قد تغيّر شكل التكتل الأوروبي لعقود قادمة، عبر حرمان الدول الجديدة التي تنضم إلى الاتحاد من استخدام حق الفيتو لعدة سنوات بعد انضمامها الرسمي. وتأتي هذه الخطوة في إطار محاولات بروكسل تسريع خطط التوسع واستقبال أعضاء جدد قبل نهاية العقد الحالي، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي تضخم عدد الدول الأعضاء إلى شلل سياسي داخل مؤسسات الاتحاد.
وبحسب مصادر أوروبية، فإن المفوضية الأوروبية تبحث آليات قانونية تسمح بفرض قيود مؤقتة على بعض صلاحيات الدول الجديدة، خاصة فيما يتعلق بالقرارات التي تتطلب إجماعًا كاملًا مثل السياسة الخارجية والضرائب والعقوبات الدولية. وتكشف هذه المناقشات عن قلق متزايد داخل أوروبا من تكرار أزمات سابقة تسببت فيها دول استخدمت الفيتو لتعطيل قرارات مصيرية، وعلى رأسها المجر خلال السنوات الأخيرة.

ويأتي ذلك بينما يسابق الاتحاد الأوروبي الزمن لضم دول من البلقان وأوروبا الشرقية، في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي مع روسيا والصين على النفوذ داخل القارة الأوروبية.
بروكسل تبحث ضمانات قبل استقبال أعضاء جدد

الخطة الجديدة تستهدف بالأساس الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مثل مولدوفا ودول البلقان الغربية، وعلى رأسها الجبل الأسود التي تعتبر الأقرب حاليًا للانضمام الرسمي بحلول عام 2028.
ووفقًا للتقرير، تدرس بروكسل إدراج بنود خاصة داخل اتفاقيات الانضمام تمنع الأعضاء الجدد من استخدام حق النقض لفترة مؤقتة بعد دخولهم الاتحاد، وذلك بهدف منع أي دولة حديثة العضوية من تعطيل القرارات الأوروبية الحساسة.
المسؤولون الأوروبيون يرون أن هذه الإجراءات قد تجعل فكرة التوسع أكثر قبولًا لدى الدول المتشككة، خاصة فرنسا وبعض الدول الغربية التي تخشى أن يؤدي انضمام مزيد من الأعضاء إلى تعقيد عملية اتخاذ القرار داخل الاتحاد.
المجر أصبحت كابوسًا داخل الاتحاد الأوروبي
أحد أبرز أسباب التفكير في هذه الخطوة يعود إلى التجربة الصعبة التي عاشها الاتحاد مع المجر خلال السنوات الماضية، حيث استخدمت حكومة بودابست حق الفيتو أكثر من مرة لتعطيل قرارات مهمة، خصوصًا ما يتعلق بالدعم الأوروبي لأوكرانيا والعقوبات ضد روسيا.
وقد تسبب ذلك في حالة غضب واسعة داخل بروكسل، ودفع العديد من الحكومات الأوروبية للمطالبة بإصلاح شامل لآليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن توسع الاتحاد ليضم أكثر من 35 دولة دون تعديل نظام التصويت الحالي قد يحول المؤسسات الأوروبية إلى ساحة شلل سياسي دائم، خصوصًا في القضايا الأمنية والاستراتيجية.
ألمانيا تدفع بقوة نحو إصلاحات جذرية
المستشار الألماني فريدريش ميرتس قاد خلال الأيام الماضية تحركات قوية لدفع الاتحاد نحو حلول مبتكرة تسمح بتسريع ضم دول البلقان وأوكرانيا، مؤكدًا أن توسيع الاتحاد أصبح ضرورة جيوسياسية في مواجهة التهديدات الروسية.
كما اقترحت ألمانيا منح أوكرانيا وضعًا خاصًا يسمح لها بالمشاركة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي دون امتلاك حق التصويت الكامل في المرحلة الأولى، كخطوة تمهيدية قبل العضوية الكاملة.
لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رفض الفكرة بشكل واضح، مؤكدًا أن بلاده تريد عضوية كاملة ومتساوية داخل الاتحاد الأوروبي، وليس وضعًا انتقاليًا أو عضوية منقوصة الصلاحيات.
أوكرانيا تمثل التحدي الأكبر لأوروبا
ملف انضمام أوكرانيا يختلف عن بقية الدول المرشحة بسبب الحرب المستمرة مع روسيا، وحجم الدمار الهائل الذي تعرضت له البلاد، إضافة إلى التكلفة الضخمة المتوقعة لإعادة الإعمار.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن إعادة بناء أوكرانيا قد تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، وهو ما يثير تساؤلات داخل بعض العواصم الأوروبية حول قدرة الاتحاد على تحمل هذه الأعباء الاقتصادية والسياسية.
ورغم ذلك، ترى بروكسل أن ضم أوكرانيا يحمل أهمية استراتيجية كبرى، باعتباره رسالة سياسية وأمنية في مواجهة موسكو، إضافة إلى تعزيز النفوذ الأوروبي شرق القارة.
هل يتحول الاتحاد الأوروبي إلى درجات عضوية؟
المناقشات الحالية تكشف عن اتجاه متزايد داخل أوروبا نحو إنشاء أشكال مختلفة من العضوية، بحيث تحصل بعض الدول على امتيازات أقل في المراحل الأولى من الانضمام.
ويرى خبراء أن هذا التوجه قد يؤدي إلى ظهور ما يشبه الأعضاء من الدرجة الثانية، حتى وإن كان بشكل مؤقت، وهو ما قد يثير جدلًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.
لكن مؤيدي الفكرة يؤكدون أن هذه الضمانات ضرورية لحماية الاتحاد من أي حكومة مستقبلية قد تتبنى سياسات معادية للتكتل الأوروبي أو قريبة من روسيا بعد انضمامها.
أوروبا بين التوسع والخوف من الانقسام
الاتحاد الأوروبي يعيش حاليًا واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات، إذ يحاول التوسع بسرعة لمواجهة التغيرات الجيوسياسية العالمية، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن يؤدي هذا التوسع إلى إضعاف قدرته على اتخاذ القرار.
كما تواجه بروكسل تحديًا كبيرًا يتمثل في إقناع الشعوب الأوروبية بفكرة ضم أعضاء جدد، خاصة في ظل تصاعد التيارات القومية واليمينية المعارضة للتوسع الأوروبي داخل عدة دول، أبرزها فرنسا.
ويرى محللون أن مستقبل الاتحاد الأوروبي خلال السنوات المقبلة سيتحدد بناءً على قدرته في تحقيق توازن صعب بين التوسع والحفاظ على وحدة القرار السياسي داخل التكتل.



