تراجع دعم أوروبا لأوكرانيا.. 9 دول فقط باقية في مبادرة الذخيرة وسط تحذيرات من أزمة إمدادات حاسمة

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تواجه المبادرة التي تقودها جمهورية التشيك لتزويد أوكرانيا بالذخيرة تراجعًا حادًا في عدد الدول المشاركة، بعدما انخفض عدد الممولين إلى تسع دول فقط مقارنة بما يصل إلى 18 دولة في نهاية العام الماضي. وتأتي هذه التطورات في وقت حرج من الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تعتمد كييف بشكل كبير على هذه الإمدادات لتعويض النقص في قذائف المدفعية الثقيلة، وسط مخاوف متزايدة داخل حلف الناتو من تراجع الالتزام الأوروبي طويل الأمد بدعم المجهود الحربي الأوكراني.
وتُعد هذه المبادرة واحدة من أهم المشاريع العسكرية الأوروبية منذ بداية الحرب، إذ نجحت خلال عام 2024 وحده في توفير أكثر من 4 ملايين قذيفة مدفعية كبيرة لأوكرانيا. لكن التراجع المفاجئ في عدد المساهمين يثير تساؤلات حول مستقبل الدعم العسكري الغربي، خاصة في ظل التحولات السياسية داخل بعض الدول الأوروبية وصعود تيارات أكثر تحفظًا تجاه الإنفاق الخارجي، إلى جانب ضغوط اقتصادية داخلية متزايدة على الحكومات الأوروبية.

مبادرة الذخيرة.. مشروع تشيكي ضخم يواجه أول اختبار سياسي
المبادرة التي أطلقتها براغ كانت تُعتبر نموذجًا ناجحًا للتنسيق الأوروبي في مجال الدعم العسكري، حيث تولت جمهورية التشيك دور الوسيط والمنسق لشراء وتجميع وإعادة توزيع الذخائر لصالح أوكرانيا. وقد حظيت المبادرة بدعم واسع من الحكومة التشيكية السابقة، واعتُبرت عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على قدرة الجيش الأوكراني على الصمود في مواجهة القوات الروسية.

لكن مع عودة رئيس الوزراء أندريه بابيش إلى السلطة، تغيرت الأولويات السياسية بشكل واضح، حيث تعهد بالتركيز على الإنفاق الداخلي بدلًا من تمويل المجهود الحربي الأوكراني. هذا التحول انعكس مباشرة على المبادرة، التي أصبحت الآن تواجه فجوة تمويلية تهدد استمراريتها بالشكل السابق، رغم تأكيد المسؤولين التشيك أن المشروع لا يزال قائمًا لكنه يعمل بوتيرة أبطأ.
انخفاض التمويل الأوروبي.. انقسام داخل الناتو حول دعم كييف
الرئيس التشيكي بيتر بافيل حذر من أن تراجع عدد الدول الممولة يمثل مشكلة استراتيجية لحلف شمال الأطلسي، مؤكدًا أن المبادرة كانت تغطي ما يصل إلى 50% من احتياجات أوكرانيا من قذائف المدفعية الثقيلة. واعتبر أن استبدال هذا المصدر من الإمدادات سيكون أمرًا بالغ الصعوبة في المرحلة الحالية من الحرب.
وفي الوقت نفسه، تشير تقارير إلى أن بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك دول من شمال أوروبا وألمانيا، ما زالت تشارك في التمويل، لكن دولًا أخرى انسحبت أو خفضت مساهماتها بسبب تحفظات سياسية داخلية. ويرى محللون أن هذا التراجع يعكس حالة إرهاق الحرب داخل بعض الحكومات الأوروبية، إضافة إلى تصاعد الجدل حول أولوية الإنفاق بين الدعم الخارجي والاحتياجات المحلية للمواطنين.
الاقتصاد والسياسة الداخلية يضغطان على قرار الدعم
من بين العوامل الأساسية التي أدت إلى تراجع المشاركة، الضغوط الاقتصادية المتزايدة داخل أوروبا، خصوصًا بعد ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. هذه العوامل دفعت بعض الحكومات إلى إعادة تقييم أولوياتها المالية، وتقليص الالتزامات الخارجية لصالح دعم الأسر المتضررة داخليًا.
رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش صرح بأن حكومته تفضل توجيه الموارد المالية المحدودة إلى المواطنين، خاصة في ظل أزمة فواتير الطاقة، معتبرًا أن نموذج المبادرة الحالي يعتمد بشكل كبير على تمويل خارجي غير مستقر. هذا الخطاب يعكس تحولًا أوسع داخل بعض الدول الأوروبية نحو سياسات أكثر تحفظًا فيما يتعلق بالإنفاق الدفاعي الخارجي.
شركات السلاح تدخل على الخط وتعيد تشكيل آليات التوريد
في ظل تراجع التمويل الحكومي المباشر، بدأت شركات الدفاع الأوروبية تلعب دورًا أكبر في تأمين الإمدادات لأوكرانيا. شركة CSG التشيكية، التي تُعد أحد أبرز الشركاء في المبادرة، أكدت أن بعض الدول بدأت تتجه نحو الشراء المباشر من الشركات بدلًا من المرور عبر آليات المبادرة الجماعية.
هذا التحول قد يغير طبيعة الدعم العسكري لأوكرانيا، حيث يصبح أكثر تجزئة وأقل تنسيقًا، لكنه في المقابل قد يضمن استمرار تدفق الذخائر عبر قنوات بديلة. ومع ذلك، يحذر خبراء من أن هذا النموذج قد يخلق تفاوتًا في سرعة وكفاءة الإمدادات، ما قد يؤثر على قدرة أوكرانيا في الحفاظ على وتيرة عملياتها العسكرية.
ماذا يعني تراجع المبادرة لمستقبل الحرب في أوكرانيا؟
التراجع في عدد الدول المشاركة في مبادرة الذخيرة لا يعني بالضرورة توقف الدعم الأوروبي، لكنه يشير إلى تحول مهم في طبيعة هذا الدعم من تنسيق جماعي واسع إلى جهود أكثر فردية ومجزأة. هذا التحول قد يضع أوكرانيا أمام تحديات لوجستية كبيرة، خاصة في حال استمرار الحرب لفترة طويلة دون تسوية سياسية واضحة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن هذا التطور قد يعكس بداية مرحلة إعادة تموضع داخل أوروبا تجاه الحرب، حيث تتزايد الأصوات الداعية إلى مراجعة حجم التورط المالي والعسكري. وفي حال استمرار هذا الاتجاه، فقد تجد كييف نفسها أمام فجوة تسليحية متزايدة، ما قد يؤثر على توازن القوى في الميدان خلال الأشهر المقبلة.



