البنتاغون يستعد لعصر ما بعد GPS.. مشروع أمريكي سري قد يغيّر قواعد الحروب الحديثة

وفقًا لتقرير نشرته منصة Defense Blog، أعلنت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (DARPA) عن إطلاق برنامج جديد يحمل اسم PINPOINT، يهدف إلى تطوير جيل ثوري من أنظمة الملاحة العسكرية القادرة على العمل بدقة عالية دون الحاجة إلى نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). ويأتي هذا التوجه في ظل تزايد قدرات روسيا والصين وإيران على التشويش على إشارات GPS أو تضليلها، ما دفع واشنطن إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا وفعالية في ساحات القتال المستقبلية.
ويُنظر إلى المشروع باعتباره أحد أكثر البرامج العسكرية طموحًا خلال السنوات الأخيرة، إذ يسعى إلى معالجة واحدة من أخطر نقاط الضعف في الأنظمة القتالية الحديثة. فمع اعتماد الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة والقوات البرية على إشارات الأقمار الصناعية، أصبح تعطيل GPS سلاحًا استراتيجيًا قادرًا على إرباك الجيوش المتقدمة. ومن هنا تسعى DARPA إلى تطوير تكنولوجيا تجعل المنصات العسكرية تعرف موقعها بدقة حتى في بيئة إلكترونية معادية بالكامل.

لماذا أصبح GPS نقطة ضعف خطيرة؟
على مدى عقود، اعتمد الجيش الأمريكي وحلفاؤه على نظام GPS باعتباره العمود الفقري للملاحة العسكرية الحديثة. وتستخدمه الطائرات المقاتلة والصواريخ الذكية والطائرات بدون طيار وحتى الوحدات البرية لتحديد المواقع وتوجيه العمليات.
لكن الحروب الحديثة كشفت أن هذا الاعتماد يمثل ثغرة استراتيجية كبيرة. فروسيا استخدمت أنظمة تشويش إلكتروني واسعة النطاق في أوكرانيا، بينما طورت الصين وإيران قدرات متقدمة للتشويش والخداع الإلكتروني، ما جعل إشارات GPS هدفًا مباشرًا في أي مواجهة عسكرية مستقبلية.
ولهذا السبب باتت القيادة العسكرية الأمريكية تنظر إلى البيئة القتالية الحالية باعتبارها بيئة محرومة من GPS، حيث لا يمكن ضمان استمرار عمل الأقمار الصناعية أو وصول إشاراتها إلى القوات المنتشرة على الأرض.
مشروع PINPOINT.. ثورة في علم الملاحة
يركز برنامج PINPOINT على تطوير أجهزة استشعار جديدة تعتمد على ما يعرف بالملاحة بالقصور الذاتي، وهي تقنية تسمح بحساب الموقع والاتجاه من خلال قياس الحركة والتسارع والدوران دون الحاجة إلى إشارات خارجية.
المشكلة التقليدية في هذه الأنظمة أن الأخطاء تتراكم تدريجيًا مع مرور الوقت، ما يؤدي إلى انحراف الحسابات وفقدان الدقة. ولهذا تسعى DARPA إلى ابتكار جيل جديد من المستشعرات قادر على تقليل هذه الأخطاء إلى مستويات غير مسبوقة.
ويعتمد المشروع على استغلال خصائص فيزيائية معقدة ومواد متطورة وتصميمات ميكانيكية جديدة تسمح بتحقيق دقة أكبر بكثير من التقنيات الحالية المستخدمة في الطائرات المسيّرة والأنظمة القتالية الحديثة.
كيف ستعمل التكنولوجيا الجديدة؟
وفقًا للمعلومات الأولية، يهدف البرنامج إلى تجاوز الحدود التقنية الحالية لأجهزة الاستشعار الصغيرة المعروفة باسم MEMS، والتي تُستخدم اليوم في الهواتف الذكية والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.
وترى DARPA أن هذه الأجهزة وصلت إلى سقف تطورها خلال العقد الماضي، لذلك تسعى إلى إعادة تصميمها بالكامل باستخدام مبادئ فيزيائية أكثر تعقيدًا. وتشير الوكالة إلى أن التكنولوجيا الجديدة ستعتمد على دمج عدة أبعاد وبيانات حركية في نظام واحد قادر على إنتاج معلومات أكثر دقة واستقرارًا.
إذا نجحت هذه الفكرة، فإن الطائرات المسيّرة والصواريخ والمركبات العسكرية ستكون قادرة على العمل لساعات طويلة دون الحاجة إلى أي إشارات خارجية لتحديد مواقعها.
أوكرانيا وتايوان والخليج.. ساحات دفعت واشنطن للتحرك
البرنامج لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة دروس مباشرة من النزاعات الجارية حول العالم. ففي الحرب الأوكرانية أثبتت روسيا قدرتها على التشويش على إشارات الملاحة في مناطق واسعة، ما أثر على العمليات العسكرية وحتى على الطيران المدني في بعض الدول الأوروبية.
وفي منطقة الخليج، أظهرت إيران قدرتها على استخدام الحرب الإلكترونية للتأثير على أنظمة الملاحة، بينما تعتبر الصين التشويش على GPS جزءًا أساسيًا من خططها العسكرية المحتملة في أي مواجهة حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
هذه الوقائع دفعت المخططين العسكريين الأمريكيين إلى الاقتناع بأن الاعتماد الكامل على الأقمار الصناعية لم يعد خيارًا آمنًا في الحروب المستقبلية.
سباق تكنولوجي جديد بين القوى الكبرى
يمثل مشروع PINPOINT جزءًا من سباق عالمي متسارع للسيطرة على تقنيات الملاحة المستقبلية. فبينما تستثمر الولايات المتحدة في أنظمة بديلة لـGPS، تعمل روسيا والصين أيضًا على تطوير حلول مشابهة تمنح قواتها استقلالية أكبر في البيئات الإلكترونية المعقدة.
ويرى خبراء الدفاع أن الجيل القادم من الحروب لن يُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالقدرة على الحفاظ على الاتصال والملاحة وتبادل البيانات في ظل محاولات التشويش المستمرة.
لذلك فإن نجاح المشروع الأمريكي قد يمنح واشنطن تفوقًا استراتيجيًا كبيرًا خلال العقد المقبل، خصوصًا في مواجهة خصوم يمتلكون قدرات متنامية في الحرب الإلكترونية.
ماذا يعني هذا التطور؟
إذا نجحت DARPA في تحقيق أهداف برنامج PINPOINT، فقد نشهد تحولًا جذريًا في مفهوم الملاحة العسكرية حول العالم. إذ ستصبح الطائرات المسيّرة والصواريخ الذكية والقوات البرية أقل اعتمادًا على الأقمار الصناعية وأكثر قدرة على العمل في بيئات معادية إلكترونيًا.
كما أن التكنولوجيا الجديدة قد تمتد لاحقًا إلى الاستخدامات المدنية، بما في ذلك الطيران والنقل البحري والمركبات ذاتية القيادة. وفي هذه الحالة، لن يكون المشروع مجرد ابتكار عسكري، بل خطوة قد تعيد رسم مستقبل أنظمة الملاحة العالمية بالكامل.



