الولايات المتحدة تعيد بناء درعها الجوي بسرعة قياسية إنفاق عسكري ضخم لمواجهة تهديد المسيّرات والحروب الحديثة

وفقًا لتقرير نشره موقع Breaking Defense، تكشف ميزانية الجيش الأمريكي للعام المالي 2027 عن تحول استراتيجي كبير في أولويات الدفاع، حيث طلب الجيش نحو 461 مليون دولار لتطوير منظومة الدفاع الجوي القصير المدى المعروفة باسم M-SHORAD، في زيادة تقارب الضعف مقارنة بالعام السابق. ويأتي هذا الإنفاق الضخم في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة بناء قدرات الدفاع الجوي التي تم تقليصها بشكل كبير خلال العقود الماضية، قبل أن تكشف الحروب الحديثة، وخاصة في أوكرانيا، عن خطأ هذا التقدير الاستراتيجي. ويعكس هذا التحرك إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن ساحة المعركة الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا وخطورة، مع انتشار الطائرات المسيرة والصواريخ والتهديدات الجوية منخفضة التكلفة وعالية الفعالية.
قرار قديم يعود ليطارد الجيش الأمريكي
تشير التقارير إلى أن جذور الأزمة تعود إلى أوائل الألفية، عندما قرر الجيش الأمريكي تقليص وحدات الدفاع الجوي القصير المدى بعد انتهاء الحرب الباردة وتراجع التهديدات الجوية التقليدية. كما عززت حروب العراق وأفغانستان هذا التوجه، حيث لم تكن هناك حاجة كبيرة لأنظمة قادرة على إسقاط الطائرات أو الصواريخ. لكن هذا القرار، الذي بدا منطقيًا في حينه، أدى إلى تراجع كبير في الجاهزية الدفاعية، وهو ما أصبح اليوم نقطة ضعف واضحة في مواجهة تهديدات الحرب الحديثة.

أوكرانيا تعيد رسم قواعد الحرب الجوية
أظهرت الحرب في أوكرانيا مدى خطورة الطائرات المسيّرة والهجمات الجوية منخفضة التكلفة، حيث استخدمت بكثافة ضد الدبابات وقوافل الإمداد والمواقع العسكرية. هذا الواقع الجديد أجبر الجيوش حول العالم على إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية. ووفقًا للتقرير، فإن الجيش الأمريكي يعتبر هذه الحرب نقطة تحول حاسمة، دفعت إلى تسريع برامج تطوير الدفاع الجوي القصير المدى بشكل غير مسبوق، استعدادًا لصراعات مستقبلية قد تعتمد بشكل كبير على الطائرات بدون طيار والهجمات الشبكية.
منظومة M-SHORAD قلب التحول الجديد
تعتمد منظومة M-SHORAD على مركبة مدرعة من طراز سترايكر، وتدمج عدة أسلحة مختلفة لمواجهة تهديدات متعددة المستويات، تشمل صواريخ ستينغر قصيرة المدى، وصواريخ هيلفاير المعدلة، ومدفعًا عيار 30 ملم، بالإضافة إلى رشاش ثقيل. ويتيح هذا التنوع في التسليح قدرة مرنة على التعامل مع أهداف مختلفة، من الطائرات المسيّرة الصغيرة إلى المروحيات الهجومية. ويعكس هذا التصميم فلسفة عسكرية جديدة تقوم على الدمج بين السرعة والحماية والتنوع في القدرات القتالية.
استثمار في المستقبل الدفاعي: ثلاثة مسارات رئيسية
يركز التمويل الجديد البالغ 461 مليون دولار على ثلاثة مجالات رئيسية. الأول يتمثل في تطوير جيل جديد من الصواريخ الاعتراضية يعرف باسم المعترض قصير المدى من الجيل القادم، بهدف استبدال صواريخ ستينغر القديمة. أما المسار الثاني فيركز على تطوير النسخة المعتمدة على الطاقة الموجهة باستخدام الليزر، والتي توفر قدرة على الاشتباك منخفض التكلفة ضد الطائرات المسيّرة. في حين يستهدف المسار الثالث تطوير نسخة خفيفة الوزن يمكن نشرها مع القوات السريعة والهوائية التي لا تستطيع حمل الأنظمة الثقيلة التقليدية.
الليزر يدخل ساحة المعركة
أحد أبرز التحولات في البرنامج هو الاستثمار في أنظمة الليزر القتالية، التي توفر قدرة على تدمير الأهداف الجوية دون تكلفة الذخيرة التقليدية. هذه التقنية، التي خضعت لاختبارات ميدانية ناجحة، تمثل نقلة نوعية في مفهوم الدفاع الجوي، خاصة في مواجهة الهجمات الكثيفة بالطائرات المسيّرة. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تقنية تتعلق بمدى الفعالية في ظروف الطقس المختلفة وقدرة النظام على التعامل مع تهديدات متعددة في وقت واحد.
إعادة صياغة العقيدة العسكرية الأمريكية
يعكس هذا البرنامج تحولًا أعمق في العقيدة العسكرية الأمريكية، حيث لم يعد الدفاع الجوي يُنظر إليه كقدرة ثانوية، بل كعنصر أساسي يجب دمجه داخل الوحدات القتالية نفسها. فالحروب الحديثة أثبتت أن غياب الحماية الجوية المباشرة يجعل القوات البرية عرضة لخسائر كبيرة حتى من تهديدات منخفضة التكلفة. لذلك تتجه الولايات المتحدة إلى بناء منظومة دفاع متعددة الطبقات قادرة على مرافقة القوات في كل أنواع العمليات.
ماذا يعني هذا التحول
يشير هذا الإنفاق المتزايد إلى أن الولايات المتحدة تستعد لمرحلة جديدة من الحروب تعتمد بشكل أكبر على الطائرات بدون طيار والتهديدات الجوية السريعة والمتغيرة. كما يعكس إدراكًا متأخرًا بأن التفوق العسكري لا يعتمد فقط على التكنولوجيا المتقدمة، بل على القدرة على التكيف مع أساليب القتال الحديثة. هذا التحول قد يدفع أيضًا دولًا أخرى إلى إعادة بناء أنظمة الدفاع الجوي لديها لتجنب تكرار الأخطاء الاستراتيجية السابقة.
السيناريو المتوقع
من المتوقع أن يستمر الجيش الأمريكي في ضخ استثمارات أكبر في أنظمة الدفاع الجوي خلال السنوات المقبلة، مع تسريع تطوير تقنيات الليزر والصواريخ الذكية. كما قد نشهد سباقًا عالميًا جديدًا في مجال أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، خاصة مع توسع استخدامها في النزاعات الإقليمية. وفي حال نجاح هذه البرامج، قد تعود الولايات المتحدة إلى ريادة هذا المجال، لكن التحدي الأكبر سيظل في سرعة مواكبة تطور التهديدات نفسها.



