مخاوف من باب خلفي لواشنطن.. صفقة بريطانية مع بالانتير تثير جدلاً حول مصير البيانات المالية الحساسة

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، تتصاعد المخاوف داخل الأوساط السياسية والحقوقية في المملكة المتحدة بشأن اتفاق تجريبي بين هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) وشركة التكنولوجيا الأمريكية العملاقة بالانتير، وسط تحذيرات من احتمال تعرّض كميات هائلة من البيانات المالية والشخصية الحساسة للوصول غير المباشر من قبل السلطات الأمريكية. ويأتي الجدل في وقت تتزايد فيه اعتماد الحكومات والمؤسسات العامة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات ومكافحة الجرائم المالية، ما يفتح نقاشًا أوسع حول سيادة البيانات الوطنية وحدود النفوذ التكنولوجي الأمريكي في الدول الحليفة. ويرى منتقدون أن الصفقة تتجاوز مجرد تحديث تقني لمنظومة مكافحة الاحتيال المالي، لتلامس أسئلة استراتيجية تتعلق بالأمن الرقمي والخصوصية والسيادة الوطنية، خاصة في ظل وجود قوانين أمريكية تسمح للسلطات بطلب بيانات من شركات التكنولوجيا الأمريكية حتى عندما تكون تلك البيانات مخزنة خارج الولايات المتحدة.
صفقة تجريبية تضع البيانات المالية تحت المجهر
تسعى هيئة السلوك المالي البريطانية إلى الاستفادة من أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة التي تطورها شركة بالانتير لتعزيز قدرتها على كشف الجرائم المالية والاحتيال وغسل الأموال. وتشمل البيانات التي قد يتم تحليلها ملفات تحقيقات مالية وتقارير مصرفية تتعلق بعمليات احتيال مؤكدة أو مشتبه بها، إلى جانب شكاوى المستهلكين ومعلومات يتم جمعها من مصادر متعددة. وتؤكد الهيئة أن المشروع لا يزال في مرحلة تجريبية تمتد لـ12 أسبوعًا، إلا أن حجم البيانات المحتمل التعامل معها جعل الاتفاق محط اهتمام سياسي وإعلامي واسع داخل بريطانيا.

مخاوف سياسية من وصول أمريكي غير مباشر للبيانات
أثار عدد من النواب البريطانيين مخاوف تتعلق بإمكانية خضوع البيانات البريطانية لقوانين أمريكية تسمح للسلطات في واشنطن بطلب معلومات من الشركات الأمريكية. ويرى المنتقدون أن وجود شركة أمريكية في قلب منظومة تحليل البيانات المالية البريطانية يخلق مخاطر قانونية يصعب تجاهلها، خاصة في ظل التوترات السياسية العالمية وتزايد استخدام البيانات كأداة نفوذ جيوسياسي. ويطالب معارضو الصفقة الحكومة والجهات الرقابية بتقديم ضمانات قانونية واضحة تؤكد استحالة وصول أي جهة أمريكية إلى تلك البيانات دون موافقة السلطات البريطانية.
قانون كلاود آكت في قلب الجدل
يرتكز الجدل بصورة أساسية على قانون أمريكي يُعرف باسم Cloud Act، والذي يمنح السلطات الأمريكية في ظروف محددة إمكانية طلب بيانات تحتفظ بها شركات أمريكية حتى لو كانت تلك البيانات موجودة خارج الأراضي الأمريكية. وبينما تؤكد هيئة السلوك المالي البريطانية أن القانون لا ينطبق على هذه الحالة لأن الهيئة تظل المتحكم الرئيسي بالبيانات، يشير خبراء قانونيون إلى أن المسألة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، وأن تصنيف الشركة كمُعالج للبيانات وليس مالكًا لها لا يعني تلقائيًا خروجها من نطاق التشريعات الأمريكية ذات الصلة.
بالانتير تدافع عن نفسها وتؤكد استحالة الوصول للبيانات
من جانبها، نفت شركة بالانتير بشكل قاطع صحة المخاوف المطروحة، مؤكدة أن القانون الأمريكي لا يمنح السلطات حق الوصول العشوائي إلى البيانات. وأوضحت الشركة أن أي طلب رسمي يتطلب تحقيقًا جنائيًا وأمرًا قضائيًا، كما شددت على أن البيانات المستخدمة في المشروع ستكون مشفرة بالكامل، وأن مفاتيح فك التشفير ستظل تحت السيطرة الحصرية لهيئة السلوك المالي البريطانية. ووفقًا للشركة، فإنها لا تملك القدرة التقنية على الاطلاع على البيانات بصورتها الأصلية أو تسليمها لأي جهة دون مشاركة مباشرة من الهيئة البريطانية نفسها.
لماذا تثير بالانتير كل هذا الجدل؟
لا يرتبط الجدل الحالي بالصفقة وحدها، بل بتاريخ الشركة وعلاقاتها الواسعة مع مؤسسات أمنية وعسكرية أمريكية. فالشركة تقدم خدماتها لوكالات حكومية أمريكية متعددة، كما ترتبط بعقود مع مؤسسات دفاعية وأمنية في عدة دول. ويرى منتقدوها أن توسعها داخل القطاعات الحكومية الحساسة يمنحها نفوذًا متزايدًا على تدفقات البيانات الاستراتيجية. وفي المقابل، يؤكد المدافعون عنها أن قدراتها التقنية المتقدمة تجعلها من أبرز الشركات القادرة على مساعدة الحكومات في مواجهة الجرائم المالية والتهديدات الرقمية المتطورة.
ماذا يعني هذا الحدث؟ وما السيناريو المتوقع؟
تكشف هذه القضية عن معركة عالمية متصاعدة حول سيادة البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي. فبينما تسعى الحكومات للاستفادة من التقنيات الأمريكية المتقدمة لرفع الكفاءة ومكافحة الجريمة، تزداد المخاوف من فقدان السيطرة الكاملة على البيانات الوطنية الحساسة. وإذا استمرت الضغوط السياسية والحقوقية داخل بريطانيا، فقد نشهد تشديدًا أكبر لشروط التعاقد مع شركات التكنولوجيا الأجنبية أو فرض آليات رقابة إضافية على استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحكومية. كما قد تتحول القضية إلى نموذج يُحتذى به في دول أخرى تواجه المعضلة نفسها بين الحاجة إلى الابتكار التقني والحفاظ على استقلالية البيانات الوطنية، ما يجعل نتائج هذه التجربة البريطانية محل متابعة دولية واسعة خلال الأشهر المقبلة.



