أزمة غير مسبوقة.. لوبي إسرائيل في أمريكا متهم بإخفاء تمويله للمرشحين بعد تراجع شعبيته بين الديمقراطيين

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، يواجه اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، وعلى رأسه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، تحديًا سياسيًا متزايدًا مع تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل داخل القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي. وكشف التقرير أن المنظمة بدأت تعتمد آليات جديدة لجمع التبرعات لصالح المرشحين المؤيدين لإسرائيل، بطريقة تجعل دورها أقل وضوحًا أمام الناخبين والرأي العام، في خطوة تعكس حجم التحول الذي تشهده الساحة السياسية الأمريكية منذ اندلاع الحرب في غزة وتصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط.
ويشير التقرير إلى أن الدعم العلني من إيباك لم يعد يمثل مكسبًا سياسيًا مضمونًا كما كان في السابق، بل تحول في بعض الدوائر الانتخابية إلى عبء قد يضر بفرص المرشحين، خصوصًا داخل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. ويأتي ذلك في ظل تزايد الانتقادات الموجهة للسياسات الإسرائيلية وتنامي الأصوات المطالبة بإعادة النظر في حجم الدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه واشنطن لتل أبيب.

تغير المزاج السياسي داخل الحزب الديمقراطي
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في مواقف قطاع واسع من الناخبين الديمقراطيين تجاه إسرائيل. فبعد عقود من الدعم التقليدي الذي كان يحظى بإجماع نسبي داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، أصبحت القضية الإسرائيلية محل انقسام متزايد، خاصة بين الشباب والتيارات التقدمية.
وتشير البيانات التي استند إليها التقرير إلى أن نسبة المؤيدين لإسرائيل بين الناخبين الديمقراطيين تراجعت بشكل كبير، ما دفع العديد من المرشحين إلى التعامل بحذر مع أي دعم مالي أو سياسي يأتي من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. هذا التحول يفرض واقعًا جديدًا على المؤسسات التقليدية المؤثرة في السياسة الأمريكية ويجبرها على إعادة النظر في أساليب عملها.
اتهامات بإخفاء مصادر التمويل السياسي
بحسب ما أوردته هآرتس، بدأت إيباك في استخدام منصات إلكترونية خاصة تتيح للمتبرعين إرسال الأموال مباشرة إلى حملات المرشحين دون أن يظهر اسم المنظمة بشكل واضح في سجلات التبرعات العامة.
ويقول منتقدو هذه الممارسات إن الهدف منها هو تقليل الانتقادات التي قد يتعرض لها المرشحون بسبب ارتباطهم بالمنظمة، خاصة في الولايات التي تشهد منافسات انتخابية حادة. بينما يرى المدافعون عن هذه الآليات أنها لا تخالف القوانين الانتخابية الأمريكية، بل تمثل مجرد وسيلة تنظيمية لتسهيل جمع التبرعات وحشد المؤيدين.
معارك انتخابية تكشف حجم النفوذ
برز الجدل بشكل واضح خلال الانتخابات الجارية في ولاية ميشيغان، حيث تعرضت المرشحة الديمقراطية هايلي ستيفنز لانتقادات من منافسين اتهموها بالاستفادة من دعم مالي مرتبط بـإيباك، معتبرين أن ذلك يؤثر على مواقفها السياسية المتعلقة بالمساعدات الأمريكية لإسرائيل.
كما شهدت ولايات أخرى معارك انتخابية مماثلة، حيث باتت العلاقة مع جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل جزءًا من النقاش السياسي الداخلي. ويعكس ذلك انتقال الملف من كونه قضية خارجية إلى موضوع انتخابي داخلي يؤثر بشكل مباشر على حسابات المرشحين وفرصهم في الفوز.
لماذا تلجأ جماعات الضغط إلى تغيير استراتيجيتها؟
يرى مراقبون أن التحولات الجارية تعكس إدراكًا متزايدًا لدى جماعات الضغط التقليدية بأن البيئة السياسية الأمريكية لم تعد كما كانت قبل سنوات. فوسائل التواصل الاجتماعي، وتنامي الحركات الشبابية، وتزايد الاهتمام بالقضايا الحقوقية، كلها عوامل ساهمت في تغيير نظرة جزء من الرأي العام الأمريكي إلى الصراع في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، أصبحت المؤسسات السياسية أكثر حرصًا على تجنب أي ارتباط قد يثير الجدل بين الناخبين، ما دفع بعض جماعات الضغط إلى البحث عن أدوات جديدة للحفاظ على نفوذها دون أن تكون في واجهة المشهد السياسي بشكل مباشر.
ماذا يعني ذلك لمستقبل السياسة الأمريكية؟
إذا استمر هذا الاتجاه، فقد يشهد النظام السياسي الأمريكي خلال السنوات المقبلة تغيرات مهمة في طبيعة العلاقة بين المرشحين وجماعات الضغط المؤثرة. كما قد يؤدي إلى زيادة المطالب بالشفافية والإفصاح الكامل عن مصادر التمويل السياسي، خاصة في الانتخابات الفيدرالية.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الجدل حول دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل قد ينعكس على طبيعة النقاش داخل الكونغرس بشأن المساعدات العسكرية والسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط. وبينما لا يبدو أن نفوذ هذه الجماعات سيتراجع بشكل جذري في المدى القريب، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن قدرتها على التأثير أصبحت تواجه تحديات لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة.
السيناريو المتوقع
من المرجح أن تتجه جماعات الضغط السياسية في الولايات المتحدة إلى تطوير أدوات أكثر تعقيدًا للتواصل مع الناخبين والمرشحين، بالتوازي مع تزايد الرقابة الإعلامية والشعبية على مصادر التمويل الانتخابي. كما يُتوقع أن تصبح المواقف من إسرائيل والشرق الأوسط عنصرًا أكثر تأثيرًا في الانتخابات الأمريكية المقبلة، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي، الذي يشهد حاليًا أكبر التحولات في هذا الملف.



