الناتو يختبر مستقبل الحروب الجوية: اعتماد نظام هولندي قادر على إدارة عشرات الطائرات المسيّرة في وقت واحد

وفقًا لتقرير نشره موقع Defence Blog، أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) اعتماد نظام قيادة وتحكم هولندي متطور للطائرات المسيّرة بعد نجاحه في اجتياز أكبر مناورة للحلف مخصصة لاختبار قدرات مواجهة الطائرات بدون طيار. ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره خطوة مهمة نحو بناء شبكة دفاع جوي ذكية تعتمد على دمج الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار المتعددة في منصة موحدة قادرة على التعامل مع أسراب الطائرات المسيّرة التي أصبحت تمثل أحد أكبر التهديدات في الحروب الحديثة.
وجاء الاعتماد الرسمي بعد نجاح منصة OVERWATCH، التي طورتها شركة Airwayz الهولندية، في ربط عشرات الأنظمة الدفاعية والاستشعارية التابعة لـ13 دولة مختلفة ضمن صورة عملياتية واحدة خلال تمرين الناتو TIE26 الذي أُقيم في هولندا خلال شهر مايو الماضي. ويؤكد هذا الإنجاز توجه الحلف نحو تطوير أنظمة دفاعية أكثر تكاملًا في مواجهة التهديدات الجوية المتزايدة، خصوصًا مع الدروس المستفادة من الحرب الأوكرانية والتطور السريع لتقنيات الطائرات المسيّرة.

مناورة ضخمة لاختبار دفاعات الناتو المستقبلية

شهد تمرين TIE26 مشاركة عدد كبير من الأنظمة الدفاعية الأوروبية والأمريكية المتخصصة في كشف واعتراض الطائرات المسيّرة. وخلال المناورة، تولت منصة OVERWATCH قيادة فريق برافو الذي واجه سيناريوهات تحاكي هجمات بطائرات مسيّرة معقدة ومتعددة الاتجاهات.
وما جعل الاختبار استثنائيًا هو قدرة النظام على دمج المعلومات الواردة من 46 عقدة مختلفة تشمل أجهزة رادار ومستشعرات إلكترونية وأنظمة اعتراض وتشويش من 13 دولة لم يسبق أن جرى ربطها ضمن شبكة تشغيلية واحدة. ويعتبر هذا النوع من التكامل أحد أكبر التحديات التقنية أمام جيوش الناتو في الوقت الحالي.
شهادة اعتماد رسمية من وكالة اتصالات الناتو
حصل النظام على شهادة التوافق التشغيلي SAPIENT Interoperability Certificate من وكالة الاتصالات والمعلومات التابعة للناتو (NCIA)، وهي شهادة تمنح للأنظمة القادرة على العمل بسلاسة ضمن البنية القياسية للحلف.
ولا تقتصر أهمية هذه الشهادة على تبادل البيانات فقط، بل تشمل أيضًا قدرة النظام على إصدار أوامر مباشرة لأنظمة الاعتراض والتشويش المختلفة. بمعنى آخر، لا يكتفي النظام بمراقبة التهديدات الجوية، بل يستطيع إدارة عملية التصدي لها من خلال واجهة قيادة موحدة، وهو ما يمثل نقلة نوعية في مفهوم الدفاع الجوي ضد الطائرات المسيّرة.
لماذا أصبحت أسراب المسيّرات تهديدًا خطيرًا؟
أظهرت الحروب الحديثة، خاصة في أوكرانيا والشرق الأوسط، أن الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قادرة على إرباك جيوش تمتلك أسلحة متطورة بمليارات الدولارات. فالهجمات التي تنفذها أسراب من المسيّرات تستطيع استنزاف الدفاعات التقليدية وإغراق أنظمة الرصد بأهداف متعددة في وقت واحد.
ولهذا السبب يركز الناتو حاليًا على تطوير أنظمة قيادة وتحكم تعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي لمساعدة القادة العسكريين على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة. فالتعامل مع عشرات أو مئات الأهداف الجوية في وقت واحد أصبح يتجاوز القدرات البشرية التقليدية، ما يجعل الأنظمة الذكية ضرورة عسكرية وليست مجرد خيار تقني.
من ميناء روتردام إلى ساحات القتال
لم يأت نجاح منصة OVERWATCH من فراغ، إذ تمتلك الشركة سجلًا تشغيليًا طويلًا في إدارة المجال الجوي المدني. ويستخدم النظام منذ أكثر من ثلاث سنوات في ميناء روتردام الهولندي، أحد أكبر الموانئ في العالم، لتنظيم حركة عشرات الطائرات المسيّرة يوميًا دون تسجيل أي تعطيل للعمليات.
كما تشير الشركة إلى أن المنصة استُخدمت في بيئات عملياتية حساسة ومناطق نزاع، إضافة إلى فعاليات جماهيرية كبرى تتطلب حماية جوية عالية المستوى. وهذا السجل العملي يمنح النظام ميزة إضافية مقارنة بالأنظمة التي لا تزال في مرحلة الاختبارات النظرية فقط.
الطريق إلى الجبهة الشرقية للناتو
نجاح المنصة في تمرين TIE26 منحها بطاقة التأهل للمشاركة في تمرين BATT26 المقرر عقده في لاتفيا خلال أغسطس 2026. وتُعد لاتفيا من أكثر دول الناتو حساسية أمنيًا بحكم حدودها القريبة من روسيا، ما يجعلها ساحة مثالية لاختبار القدرات الدفاعية الجديدة للحلف.
ومن المتوقع أن يمثل هذا التمرين فرصة حقيقية لإثبات قدرة النظام على العمل في بيئة عملياتية تحاكي التهديدات الفعلية التي تواجهها دول شرق أوروبا، خاصة مع تصاعد المخاوف من استخدام روسيا والطرف المقابل لأعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة في أي مواجهة مستقبلية.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
يعكس اعتماد الناتو لهذا النظام تحولًا واضحًا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبحت المعركة تدور حول سرعة معالجة المعلومات وربط أجهزة الاستشعار والأسلحة المختلفة ضمن شبكة موحدة أكثر من اعتمادها على المنصات القتالية التقليدية وحدها.
ومن المرجح أن نشهد خلال السنوات المقبلة توسعًا كبيرًا في استخدام أنظمة القيادة الذكية القادرة على إدارة أسراب المسيّرات ودمج المعلومات من عشرات المصادر في وقت واحد. كما قد يتحول نموذج OVERWATCH إلى معيار جديد داخل الناتو، خصوصًا إذا أثبت نجاحه خلال الاختبارات العملياتية المقبلة في لاتفيا. وفي حال تحقق ذلك، فإن مستقبل الدفاع الجوي الأوروبي قد يصبح أكثر اعتمادًا على البرمجيات والذكاء الاصطناعي من أي وقت مضى.



