حرب إيران تستنزف احتياطي النفط الأمريكي.. مخاوف من قفزة تاريخية في الأسعار وعودة شبح أزمة الطاقة العالمية
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تواجه الولايات المتحدة تحديًا متصاعدًا في سوق الطاقة بعد أن تراجعت مخزونات النفط والمنتجات البترولية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2004، في ظل استمرار الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم. ويأتي هذا التراجع في وقت تعتمد فيه الأسواق العالمية بشكل متزايد على الصادرات الأمريكية لتعويض النقص الحاد في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، ما يضع ضغوطًا متزايدة على واشنطن ويثير مخاوف من ارتفاعات حادة في أسعار النفط خلال الأشهر المقبلة.
وتشير البيانات الحكومية الأمريكية إلى أن إجمالي مخزونات النفط الخام والمنتجات البترولية انخفض بأكثر من 10 ملايين برميل خلال أسبوع واحد فقط، ليصل إلى نحو 1.57 مليار برميل، وهو أدنى مستوى يُسجل منذ أكثر من عقدين. ويرى محللون أن هذا التراجع السريع قد يكون مقدمة لمرحلة جديدة من الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية إذا استمرت الحرب وتعطل تدفق النفط عبر الخليج.
مخزونات عند أدنى مستوى منذ 22 عامًا
أظهرت البيانات الرسمية الأمريكية أن مخزونات النفط الخام والوقود شهدت هبوطًا حادًا خلال الأسبوع الماضي، نتيجة السحب المستمر من الاحتياطيات وتزايد الطلب العالمي على النفط الأمريكي.
ويُعد هذا المستوى الأدنى منذ عام 2004، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الفائض الذي تراكم خلال سنوات طفرة النفط الصخري الأمريكية قد تم استهلاكه خلال فترة قصيرة نسبيًا. ويؤكد خبراء الطاقة أن استمرار هذا الاتجاه قد يدفع الأسواق إلى مرحلة حساسة يصبح فيها أي اضطراب إضافي في الإمدادات سببًا مباشرًا لقفزات سعرية كبيرة.
الولايات المتحدة تتحول إلى “المنقذ الأخير” للأسواق
مع تعطل جزء كبير من صادرات الشرق الأوسط بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز، أصبحت الولايات المتحدة المصدر الرئيسي لتعويض النقص العالمي.
وقفزت صادرات النفط الأمريكية إلى نحو 5.8 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى يفوق إنتاج العديد من الدول الأعضاء في منظمة أوبك. ويرى مراقبون أن واشنطن تؤدي حاليًا دور “المورد الأخير” للأسواق العالمية، حيث تعتمد أوروبا وآسيا بشكل متزايد على الخام الأمريكي لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
لكن هذه الاستراتيجية تأتي على حساب المخزونات المحلية، ما يثير تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على مواصلة هذا الدور لفترة طويلة.
تحذيرات من وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل
حذر عدد من خبراء الطاقة من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر المقبلة.
وبحسب تقديرات بعض المحللين، فإن سعر البرميل قد يقترب من 200 دولار إذا استمرت الأزمة الحالية دون حل سياسي أو عسكري يضمن إعادة فتح الممر البحري الحيوي. ويُنظر إلى مضيق هرمز باعتباره شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية، إذ كان يمر عبره قبل الحرب نحو خمس الإمدادات النفطية المتداولة عالميًا.
ويؤكد الخبراء أن أي تأخير في استعادة حركة الملاحة الطبيعية سيؤدي إلى مزيد من الضغوط على الاقتصادات العالمية وأسواق المال.
السحب من الاحتياطي الاستراتيجي يثير القلق
في محاولة للحد من ارتفاع الأسعار، لجأت الإدارة الأمريكية إلى السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، وهو أحد أهم أدوات الطوارئ التي تمتلكها واشنطن لمواجهة الأزمات.
وقد تم بالفعل الإفراج عن عشرات الملايين من البراميل، مع منح الضوء الأخضر لسحب كميات إضافية كبيرة خلال الفترة المقبلة. غير أن محللين يرون أن هذه السياسة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، لأن الاحتياطي الاستراتيجي صُمم لمواجهة الأزمات الكبرى وليس لتعويض نقص طويل الأمد في الإمدادات العالمية.
ومع تراجع هذا المخزون، قد تفقد الولايات المتحدة أحد أهم عناصر القوة التي تعتمد عليها في استقرار السوق.

ضغوط سياسية متزايدة على ترامب
تمثل أسعار الوقود قضية حساسة للغاية داخل الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية المقبلة.
ورغم تأكيد إدارة الرئيس دونالد ترامب أن ارتفاع التضخم المرتبط بالحرب مؤقت، فإن استمرار أسعار الوقود عند مستويات مرتفعة قد ينعكس سلبًا على شعبية الإدارة الأمريكية.
كما أن أي موجة جديدة من ارتفاع أسعار البنزين ستؤثر مباشرة على ملايين الأمريكيين خلال موسم السفر الصيفي، ما قد يزيد الضغوط السياسية والاقتصادية على البيت الأبيض في الأشهر القادمة.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
تكشف الأزمة الحالية مدى الترابط بين الأمن الجيوسياسي وأسواق الطاقة العالمية. فالحرب في منطقة الخليج لم تعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي بأكمله.
إذا استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وظل مضيق هرمز مغلقًا، فمن المرجح أن تشهد الأسواق موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط والوقود، مع زيادة معدلات التضخم عالميًا وتباطؤ النمو الاقتصادي في العديد من الدول المستوردة للطاقة.
أما في حال التوصل إلى اتفاق سياسي يعيد فتح الممرات البحرية ويخفف التوترات العسكرية، فقد تنخفض الضغوط تدريجيًا على الأسواق وتبدأ المخزونات العالمية في التعافي. لكن حتى ذلك الحين، تبدو أسواق الطاقة أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد إلى الأذهان أزمات النفط الكبرى التي شهدها العالم في العقود الماضية.



