حرب خفية تستهدف الأطفال… كيف تُجنّد روسيا وإيران المراهقين لتنفيذ عمليات تخريب وتجسس في أوروبا والشرق الأوسط؟
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تتكشف في أوروبا والشرق الأوسط ظاهرة أمنية بالغة الخطورة تتمثل في تجنيد دول معادية، أبرزها روسيا وإيران، لمراهقين وأطفال عبر الإنترنت لتنفيذ مهام تجسس وتخريب داخل دولهم. التقرير يكشف كيف تحوّلت منصات التواصل والألعاب الإلكترونية مثل تيليجرام وتيك توك وديسكورد وحتى ألعاب الفيديو الشهيرة إلى ساحات تجنيد سرية تستهدف القُصّر مقابل أموال أو مكافآت رقمية. وتوضح التحقيقات أن هذه العمليات لم تعد حالات فردية، بل أصبحت نمطًا متصاعدًا ضمن ما يُعرف بالحرب الهجينة، حيث يتم استغلال ضعف الوعي لدى المراهقين لتوظيفهم كأدوات يمكن التخلص منها في صراعات دولية معقدة تمتد من أوكرانيا إلى بريطانيا وإسرائيل.
شبكة تجنيد رقمية عابرة للحدود
تشير التحقيقات إلى أن عمليات التجنيد لا تتم عبر قنوات تقليدية، بل من خلال بيئات رقمية مغلقة يصعب تتبعها، مثل تيليجرام وسناب شات وفيسبوك وديسكورد. يتم استدراج المراهقين عبر رسائل تبدو في البداية بريئة أو مرتبطة بألعاب وتحديات رقمية، قبل نقلهم تدريجيًا إلى مهام أكثر خطورة. وتؤكد تقارير استخباراتية أن الأموال تُدفع غالبًا عبر العملات المشفرة، ما يمنح المجندين شعورًا زائفًا بالاستقلالية والسرية. هذا النموذج الرقمي جعل من الصعب على أجهزة الأمن رصد الشبكات أو إثبات ارتباطها المباشر بالدول الراعية، ما يمنحها مساحة واسعة للإنكار وتوسيع عملياتها.

“الألعاب” تتحول إلى ساحات تجسس حقيقية
يكشف التقرير أن منصات الألعاب الإلكترونية أصبحت واحدة من أهم أدوات التجنيد، خصوصًا ألعاب مثل “وورلد أوف تانكس”، حيث يتم استخدام غرف الدردشة لاستقطاب الشباب. تبدأ العملية عادةً كتحديات أو “مهمات” داخل اللعبة، قبل أن تتحول إلى طلبات حقيقية لجمع معلومات أو تصوير مواقع حساسة أو تنفيذ أعمال ميدانية. ويصف مسؤول عسكري غربي هذه الظاهرة بأنها أشبه بلعبة واقعية خطيرة تمتزج فيها المتعة الرقمية مع مهام عسكرية حقيقية. هذا التداخل بين الترفيه والتجسس جعل من الصعب على الأسر التمييز بين سلوك اللعب الطبيعي والأنشطة التي تقود إلى عمليات تخريب فعلية.
أوكرانيا كنموذج أولي للتوسع
تشير البيانات الاستخباراتية إلى أن روسيا بدأت هذا النمط من التجنيد في أوكرانيا خلال الحرب، حيث تم استخدام مراهقين في مهام تصوير مواقع عسكرية وإشعال حرائق صغيرة تمهيدًا لهجمات أكبر. ومع مرور الوقت، توسعت هذه العمليات غربًا نحو بولندا وهولندا وبريطانيا. وتكشف التقارير أن نسبة كبيرة من الموقوفين بتهم التعاون مع جهات أجنبية في أوكرانيا خلال عام 2025 كانوا من القُصّر. هذا الاتجاه يعكس استراتيجية تهدف إلى استغلال الفئات الأصغر سنًا باعتبارهم أقل وعيًا بالمخاطر وأسهل في التوجيه، مع اعتبارهم أدوات قابلة للاستبدال في العمليات الاستخباراتية.

إيران وروسيا… تقاطع مصالح في “الحرب الهجينة”
وفقًا للتقرير، لم تقتصر هذه الممارسات على روسيا فقط، بل تبعتها إيران في عمليات مماثلة، خصوصًا في أوروبا وإسرائيل. وتستخدم بعض الجماعات المرتبطة بطهران نفس الأساليب الرقمية لتجنيد مراهقين لتنفيذ هجمات ضد أهداف يهودية أو منشآت حساسة. وتوضح التحليلات أن هذا النمط يعكس تقاطع مصالح غير مباشر بين موسكو وطهران في تطوير أدوات الحرب غير التقليدية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على فكرة “العميل القابل للتضحية”، حيث لا تُعتبر حياة المجند ذات قيمة، ما دام يمكن إنكار أي صلة رسمية بالجهة المرسلة للعملية.

ردود فعل أمنية أوروبية متأخرة
تواجه أجهزة الأمن الأوروبية تحديًا متزايدًا في التعامل مع هذا النوع من التهديدات، خاصة مع صعوبة إثبات الروابط المباشرة بين المجندين والدول الأجنبية. وأكد مسؤولون أمنيون أن نسبة من المعتقلين في قضايا مرتبطة بالتجسس أو التخريب هم من القُصّر، ما يعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة التهديدات الأمنية. كما بدأت مؤسسات مثل “يوروبول” في إطلاق تحذيرات عامة، داعية إلى زيادة وعي الأسر بخطورة التواصل الرقمي غير المراقب. لكن التحدي الأكبر يظل في سرعة تطور أدوات التجنيد مقارنة ببطء الاستجابة القانونية والأمنية.

تحليل: ماذا يعني هذا التحول؟
يمثل هذا التطور تحولًا جوهريًا في مفهوم الصراع الحديث، حيث لم تعد الجيوش وحدها طرفًا في المواجهة، بل أصبح الأفراد، خاصة المراهقين، جزءًا من أدوات الحرب غير المباشرة. هذا يعني أن الحدود بين السلم والحرب أصبحت أكثر ضبابية، وأن ساحات القتال انتقلت جزئيًا إلى الفضاء الرقمي. ومن المتوقع أن تتوسع هذه الظاهرة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، ما لم يتم وضع ضوابط دولية صارمة. السيناريو الأكثر ترجيحًا هو تصاعد المواجهة السيبرانية واستخدام مزيد من “العملاء غير التقليديين”، مما يفرض على الحكومات إعادة صياغة استراتيجيات الأمن الداخلي والتربية الرقمية في آن واحد.



